منذ اندلاع المواجهات العسكرية في السودان منتصف نيسان/ أبريل 2023، لم يعد الصراع مجرد صدام مسلح بين قوتين، بل تحول إلى اختبار حقيقي لفكرة الدولة السودانية. تبرز في قلب هذا المشهد تساؤلات حول مصير قوات الدعم السريع، وهل ستتمكن المؤسسة العسكرية التقليدية من استعادة سيادتها الكاملة أم سيفرض الواقع الجديد تشكيلات موازية.
تعود جذور قوات الدعم السريع إلى سياق حرب دارفور عام 2003، حيث اعتمد النظام السابق على تشكيلات محلية تطورت لاحقاً لتصبح قوة رسمية في عام 2013. ومنذ ذلك الحين، تحركت هذه القوات في منطقة رمادية، حيث تمتعت باستقلال مالي وعسكري فعلي رغم تبعيتها الشكلية للمؤسسة الرسمية للدولة.
بلغ التناقض البنيوي ذروته عقب سقوط نظام البشير في عام 2019، حيث تحول الدعم السريع إلى لاعب رئيسي في معادلة السلطة الانتقالية. ومع ذلك، بدأت صورة هذه القوات في التآكل تدريجياً، خاصة بعد الأحداث الدامية التي شهدتها البلاد في حزيران/ يونيو من العام ذاته، مما وضعها في مواجهة مع الشارع.
جاءت الانعطافة الحاسمة مع تفجر الخلافات حول عملية إصلاح القطاع الأمني ودمج القوات ضمن ما عرف بالاتفاق الإطاري أواخر عام 2022. هذا الخلاف التقني في ظاهره، والسياسي في جوهره، أدى في نهاية المطاف إلى الانفجار الكبير الذي شهده السودان في نيسان/ أبريل 2023، مدخلاً البلاد في حرب مفتوحة.
كشفت الحرب الحالية هشاشة البنية السياسية للدعم السريع رغم انتشارها الجغرافي الواسع وقدراتها القتالية الميدانية. وتعكس ظاهرة انشقاق القادة الميدانيين وانضمامهم إلى صفوف الجيش أزمة مشروع حقيقية، حيث فشلت هذه القوات في التحول إلى كيان سياسي يحظى بشرعية وطنية مقبولة.
ارتبط اسم الدعم السريع بملفات ثقيلة من الانتهاكات الجسيمة في مناطق الخرطوم ودارفور والجزيرة، وفق تقارير دولية صدرت بين عامي 2023 و2025. هذه الانتهاكات، لا سيما ما حدث مؤخراً في مدينة الفاشر، زادت من العزلة الداخلية لهذه القوات وضاعفت الضغوط الخارجية المسلطة عليها.
💬 التعليقات (0)