يشيد سعيد بوخليط في كتاب "نوستالجيا: حكايات من أزمنة مراكش" معمارا سرديا قوامه الذاكرة والمكان، بوصفهما أداة معرفة لا مجرد حنين.
فالزمن هنا لا يعود قياسا كرونولوجيا، إنما يتحول إلى هالة نفسية تغشاها العيون، وإلى تجسيد للزمان على هيئة هياكل حجرية مجردة ومشيدة في هوة النفس البشرية، وتُستدعى لمقاومة ثقل الحاضر واضطراب المستقبل، ولإعادة بناء (المدينة) كزمكان يسكن القارئ والكاتب.
بتأمل عميق يضع بوخليط مفهوم الزمن في سياق جمالي ووجداني واجتماعي، مازجا بين الأمان والأمل بانكسار القيم وتوحش الاستهلاك والعنف الرمزي، ثم يرد هذا كله إلى مثال مراكش التي يراها تفقد دفء هويتها، إذ يرى أن المزج بين النص ومحيطه مشروط بوجود اختلاف أو تباين دلالي بين السرد الموازي وبين الصورة الزمانية، فيستنزف تصوره هذا تحت ضغط تحولات مادية فوضوية، تفرغ المكان من روحه، وتحوّل التراث المحكي إلى واجهة مرهقة.
قد يحسب للكتاب أنه لا يكتفي بتقديم مراكش في صورة بانورامية جامدة، بل يكتبها من الداخل عبر شظايا يومياته في المدرسة، الحي، الحافلة، ساحات الفرجة، وحلقات جامع الفنا. فتتخذ الحكايات شكل المشاهد القصيرة، لكنها مشدودة بخيط ناظم هو مساءلة القيم التي كانت تنظم العلاقات والهيئات واللغة.
ففـي "حكايات المدرسين" مثلا، يستعيد الكاتب وجوه التعليم القديمة لا بوصفها نوستالجيا ساذجة، بل باعتبارها مختبرا للعنف التربوي والهيبة والطقوس: أستاذ يملأ السبورة صامتا ويقذف الطبشور صارخا "إلى الجحيم أيها العالم"، وآخر يخفي عينيه خلف نظارة داكنة ويتحول العقاب إلى نظام كامل من الإذلال، بما فيه استدعاء "أقوياء الفصل" لتنفيذ الفلقة. هنا تُستعاد المدرسة كفضاء تتجاور فيه الموهبة والاختلال، الرحمة والقسوة، والسلطة الرمزية التي تنشئ الذاكرة بقدر ما تنشئ المعرفة.
وفي محور آخر، يفتح الكتاب ملف الجسد في المجال العمومي، لا بوصفه مادة للإثارة، بل باعتباره مرآة لاختلالات اجتماعية ونفسية، فهو سرد لوقائع التحرش في الحافلات والازدحام وحول الأسوار، يكشف كيف يتحول الازدحام إلى غطاء لسرقة اللذة، وكيف تتقاطع الفحولة الزائفة مع التلصص والإكراه والعدوان، وصولا إلى نماذج تعري انحراف السلطة الاجتماعية حين تُستعاد المدينة كفضاء يسمح بانتهاك الآخر ثم التواري خلف العادة أو الصمت.
💬 التعليقات (0)