حتى منتصف شهر رمضان، كان المواطن مصعب أبو طعيمة إنسانًا عاديًا، بصحة كاملة، يعمل ويتنقل بين الأزقة، لكن فجأة أصابه عطب في أطرافه، بدأت تتآكل تدريجيًا، يتغير لونها إلى الأزرق، ثم تتحول إلى الأسود، كأنها تتفحم وتذوب شيئًا فشيئًا، حتى أصبحت يده بلا أصابع، ويده الأخرى بثلاثة أصابع، وكذلك حدث في أطراف قدميه أيضًا، في مرض غريب ونادر.
لم يفهم مصعب في البداية ما الذي يحدث. ظنّها وعكة عابرة، أو التهابًا يمكن احتماله. لكن الألم كان يتصاعد بصمت، ومعه كانت أطرافه تختفي. من رجل يسير في شوارع خان يونس بحرية، إلى جسدٍ محاصر داخل سرير في مجمع ناصر الطبي، يراقب نفسه وهو يتآكل. الأطباء يصفون حالته بأنها نادرة وخطيرة، لكنهم يقفون عاجزين أمامها. الإمكانيات المحدودة لا تسمح بتشخيص دقيق ولا بعلاج فعّال. كل ما يمكن فعله هو التعامل مع النتائج: بتر، وتسكين، وانتظار. انتظار ما سيأخذه المرض لاحقًا.
في الغرفة، تبدو التفاصيل قاسية. يد فقدت أصابعها بالكامل، وأخرى بقي منها ثلاث فقط، وقدمان تسير فيهما المأساة نفسها. اللون الأسود الذي زحف على أطرافه كان إعلانًا متكررًا عن موت جزء جديد من جسده. ومع كل جزء يُفقد، كان مصعب يفقد شيئًا من حياته التي كانت قبل رمضان عادية تمامًا.
لا يطلب مصعب الكثير. لا يتحدث عن الألم بقدر ما يتحدث عن الخروج. الخروج من هذا المكان، من هذا الواقع الذي لا يملك له علاجًا. يحتاج إلى تحويل عاجل للعلاج خارج غزة، حيث يمكن إنقاذ ما تبقى من أطرافه، وربما إيقاف هذا التآكل الذي لا يتوقف.
لكن بين الحاجة والإمكانية، يقف الحصار. أوراق تنتظر، وتحويلات تتأخر، ووقتٌ لا يرحم. في كل يوم تأخير، يخسر مصعب جزءًا جديدًا، ليس فقط من جسده، بل من فرصته في النجاة.
ولكنه ليس وحده، فهناك أكثر من 21,500 مريض وجريح في قطاع غزة ينتظرون التحويل للعلاج خارج القطاع، في ظل عجز المنظومة الصحية عن التعامل مع الحالات المعقدة والنادرة .
💬 التعليقات (0)