في خيمةٍ أنهكها النزوح، تجلس أم عبد الله شعبان وحيدةً إلا من أصواتٍ لا يسمعها سواها؛ أصوات أبنائها الأربعة وهم يرددون القرآن كما كانوا يفعلون كل يوم.
هنا، حيث تركت الحرب فراغاً أكبر من أن يُوصف، لم يبقَ لهذه الأم سوى المصحف، تستند إليه كلما داهمها الحنين، وتستعيد عبر آياته وجوه أبنائها الذين سبقوها إلى السماء، كانت تظن أن اليُتم هو فقد الوالدين، حتى اكتشفت أن للأم يتيماً آخر حين تُدفن قلوبها الصغيرة تحت الركام.
تروي أم عبد الله شعبان لـ"وكالة سند للأنباء"، حكاية بيتٍ لم يكن كسائر البيوت، بل كان بيتاً يضجّ بالذكر كخلية نحل لا تهدأ، يتناوب فيه الأبناء على الحفظ والتثبيت والسرد، وتملؤه السكينة كلما ارتفعت أصواتهم بكتاب الله. إقرأ أيضاً بين الظلام والحرب.. شيرين الكردي تصنع الفرح بخيوط الصوف
لم تكن أمّاً فقط، بل كانت معلمةً ومربيةً ومنارةً تقود أبناءها في رحلة الإتقان، حتى صار القرآن نبض البيت اليومي، وصار الحفظ جزءاً من تفاصيل الحياة.
تقول بصوتٍ يختلط فيه الثبات بالانكسار: "قالولي أولادك الأربعة استشهدوا... صعب جداً إني أعبر، يكفيني أن الله يعلم ما في قلبي ومطلع".
ثم تتابع بكلمات تقطر وجعاً: "كنت أعتقد أن اليتم أن تفقد أمك وأبوك، لكن اكتشفت أنه عندما تفقد أبناءك تتيتم أيضاً، علاقتي بأبنائي اليوم علاقة اليتيم الذي فقد أهله".
💬 التعليقات (0)