تتجلى في المرحلة الراهنة إشكالية خطيرة تتعلق بطبيعة المرجعية السياسية في قطاع غزة ، حين يُصار بشكل متدحرج إلى تكريس ما يُسمّى “مجلس السلام” وتشكيلاته المختلفة كمرجعية قائمة بذاتها، في تعارض واضح مع الأسس التي يقوم عليها النظام السياسي الفلسطيني، والقائم على وحدة التمثيل ووحدة القرار الوطني.
إن إحالة المرجعية إلى الخارج، أو ربطها بأدوار دولية، مهما كانت طبيعتها، يشكّل انزلاقًا مقلقًا يمسّ جوهر القرار الوطني المستقل وجوهر القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني، وي فتح الباب أمام إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني وفق اعتبارات لا تنبع من الإرادة الوطنية الجامعة، بل من توازنات وضغوط خارجية. فالدور الدولي، على أهميته، لا يمكن أن يكون بديلًا عن المرجعية الوطنية، ولا مظلة للتنصل من المسؤوليات المباشرة تجاه شعبنا، خاصة في ظل الظروف الكارثية التي يعيشها قطاع غزة.
وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد أن التعاطي مع هذه الأجسام، تحت أي مبرر، ينطوي على محذور سياسي واضح، إذ يمنحها، ولو بشكل غير مباشر، شرعية لا تستند إلى توافق وطني حقيقي، ويُسهم في تكريس واقع مؤسساتي موازٍ يضعف البنية السياسية الفلسطينية بدلًا من تعزيزها. وهو ما قد يؤدي إلى تحويل المرحلة الانتقالية من وضع مؤقت إلى واقع دائم، يتناقض مع الهدف المركزي المتمثل في إنهاء الانقسام واستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني، بل وقد يكرّس انفصالًا طويل الأمد تحت مظلات ودعم خارجي، بما يحمله ذلك من تداعيات على وحدة الأرض والشعب والقضية.
كما أن أخطر ما في هذا المسار لا يقتصر على البعد السياسي، بل يمتد إلى البعد المجتمعي والاقتصادي، حيث تتحول القضايا الحياتية الملحّة إلى أدوات ضغط وابتزاز، وتُدار الأزمات بدلًا من حلّها، بما يفاقم معاناة الناس ويعمّق حالة الإرباك وفقدان الثقة بالمؤسسات.
إن معاناة شعبنا في قطاع غزة لا تحتمل المزيد من تشتيت المرجعيات أو تبادل الأدوار بين هذه الجهة وتلك، ولا تحويل القضايا الحياتية إلى أدوات في سياق إدارة الأزمة بدلًا من حلّها. المطلوب اليوم هو إعادة الاعتبار للمرجعية الوطنية الجامعة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها الممثل الشرعي، وتفعيل دورها بما يعيد توحيد القرار السياسي، ويضمن توجيه الجهود نحو إنهاء الانقسام بدلًا من تكريسه.
الخلاصة، فإن ما نشهده ليس تفصيلًا عابرًا، بل مسارًا يجب وقفه بقرار وطني واضح. وعليه، فإن المسؤولية تقتضي رفض أي تكريس لمرجعيات موازية، والتمسك الحازم بوحدة التمثيل الفلسطيني، والعمل الفوري على إنهاء الانقسام دون مكابرة ، بوصف ذلك المدخل الوحيد لحماية القضية الوطنية وصون حقوق شعبنا.
💬 التعليقات (0)