يشكل مضيق هرمز عقدة حاسمة في بنية أمن الطاقة العالمي، ومع تصاعد التوتر بين أمريكا وإيران بات هذا الممر الحيوي مسرحًا لتفاعل أدوات الضغط الاقتصادي مع الحسابات السياسية. فاضطراب الملاحة في المضيق لا ينعكس فقط على تدفقات النفط، بل يمتد أثره إلى الأسعار العالمية، واستقرار الأسواق، وتوازنات القوة بين الدول المعنية.
في هذا الإطار، تتخذ السياسات المتبادلة بين الطرفين طابعًا تصاعديًا، حيث يسعى كل منهما إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك بما يرفع كلفة الاستمرار على الخصم، مع محاولة الحد من الانعكاسات الداخلية قدر الإمكان. وتكشف هذه الدينامية عن تحول في طبيعة الصراع من مواجهة مباشرة إلى منافسة على إدارة الكلفة والزمن.
ضمن هذا السياق، تقدم دراسة الباحث الحواس تقية، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، قراءة تحليلية لهذه التحولات، من خلال تفكيك منطق السياسات الأمريكية والإيرانية، ورصد توازنات الصمود والضغط، واستشراف مآلات الصراع بين خيار التصعيد وإمكانيات التسوية.
تنطلق الدراسة من تحليل التحوّل في الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران، حيث انتقلت إدارة ترمب من محاولة تخفيف الضغوط الاقتصادية إلى تبني سياسة قائمة على تعظيم الكلفة.
ففي البداية، سعت أمريكا إلى تشجيع تدفق النفط الإيراني في الأسواق لتعويض النقص الناتج عن تعطل صادرات الخليج، بما يؤدي إلى خفض أسعار الطاقة وتخفيف الضغط على المواطن الأمريكي. غير أن هذا التقدير انقلب لاحقًا، بعدما تبيّن أن إيران استفادت من هذه السياسة عبر تحقيق عوائد مرتفعة، مستفيدة من ارتفاع الأسعار ومن قدرتها على فرض قواعد مرور انتقائية في مضيق هرمز.
ومع عودة إيران إلى إغلاق المضيق بشكل انتقائي، وتحويله إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي، أعادت الإدارة الأمريكية صياغة مقاربتها، فتبنت ما يمكن وصفه بـ"الحصار على الحصار"، عبر فرض حصار بحري على السفن المنطلقة من الموانئ الإيرانية، بهدف رفع الكلفة الاقتصادية على طهران ودفعها إلى تقديم تنازلات. ويعكس هذا التحول انتقالًا من منطق إدارة الأزمة إلى منطق كسر الإرادة، حتى وإن ترتب على ذلك ارتفاع كلفة الحرب داخليًا في الولايات المتحدة.
💬 التعليقات (0)