يحيي العالم في الثامن عشر من نيسان/ أبريل من كل عام "يوم التراث العالمي"، وهو اليوم الذي يجد فيه الفلسطينيون أنفسهم في خضم معركة وجودية تتجاوز حدود الجغرافيا، لتشمل حماية التاريخ والذاكرة من محاولات الشطب، والسطو الممنهج التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
لا يعد التراث في فلسطين مجرد آثار صامتة أو مقتنيات في المتاحف، بل هو السند الملكي التاريخي للأرض. ويمثل التراث الفلسطيني منظومة متكاملة تشمل: التراث المادي: من بيوت القدس العتيقة، ومساجد وجوامع يافا وحيفا، وكنيسة المهد، وصولاً إلى المدرجات الزراعية في قرى الضفة. كما يشمل التراث غير المادي: ويضم الثوب الفلسطيني المطرز (الذي سُجل على لائحة اليونسكو)، والدبكة الشعبية، والأمثال، والمأكولات الشعبية، والمهن اليدوية التي تورثها الأجيال. إنه الرد العملي واليومي على مقولة "أرض بلا شعب"، فهو يثبت وجود مجتمع مدني وثقافي ضارب في الجذور منذ آلاف السنين.
قرصنة الهوية.. محاولات "الأسرلة" والسرقة إقرأ أيضاً الاحتلال يوظّف “مزاعم التراث” لابتلاع أرض تاريخية في الضفة
تشن سلطات الاحتلال حرباً ناعمة وقاسية في آن واحد لنهب التراث الفلسطيني ونسبه لنفسها، في محاولة لخلق تاريخ مزيف يخدم روايتها الاستيطانية. ومن أبرز معالم هذه السرقة الإسرائيلية، السطو على الأزياء والمأكولات، تهويد المعالم الأثرية، وسرقة الآثار، وتدمير التراث في غزة. تواصل الماكينة الإعلامية الإسرائيلية نسب الثوب الفلسطيني، والكوفية لثقافتها، وظهر ذلك جلياً في ارتداء مضيفات طيران إسرائيليات، و"ملكات جمال" أثواباً فلسطينية في محافل دولية. كما يتم تسويق الحمص والفلافل والمفتول عالمياً كأطباق إسرائيلية. ويستمر الاحتلال في تغيير أسماء الشوارع والمعالم التاريخية في القدس والداخل المحتل، وتحويل بعض المساجد الأثرية إلى خمارات أو متاحف تخدم الرواية الصهيونية، إضافة إلى "عبرنة" الأسماء الجغرافية العربية. وتنشط وحدة ضابط الأركان لشؤون الآثار في الإدارة المدنية للاحتلال في نهب القطع الأثرية من المناطق المصنفة "ج" بالضفة الغربية، ونقلها إلى المتاحف الإسرائيلية، وتغيير هويتها الكنعانية أو العربية إلى "تاريخ يهودي".
وخلال حرب الإبادة على غزة، وثقت المؤسسات الثقافية تدمير أكثر من 200 موقع أثري وتاريخي في قطاع غزة، بما في ذلك المسجد العمري الكبير، وكنيسة القديس بوفيريوس، والبيوت الأثرية، في محاولة واضحة لمحو الذاكرة البصرية والمكانية للقطاع.
يشكل الثوب الفلسطيني رأس الحربة في معركة حماية التراث، فكل غرزة فيه تحكي قصة مدينة أو قرية، مثل: (تطريز الخليل، عروق يافا، ورود غزة).
💬 التعليقات (0)