أمد/ تعاظمت قوى الظلام والدمار، وتكالبت ضد أهلنا وشعبنا في قطاع غزة لتطيح بكل أمل أو مستقبل ينير الطريق للأجيال القادمة، مستهدفة بشكل مباشر حقاً أصيلاً من حقوق الإنسان أقرته المعايير الدولية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمواثيق والعهود الأممية؛ وهو "الحق في العمل". ورغم ما خلفته الحرب والعدوان على القطاع من آثار كارثية ودمار هائل وممنهج طال البنية التحتية والمؤسساتية، إلا أنها لم تحطم إرادة الإنسان الفلسطيني؛ بل تجددت عزيمته الكامنة لينتصر لخيارات البقاء، عبر البحث المستمر عن مقومات الحياة، وأهمها العمل والحصول على فرصة لإعالة أسرته في ظل هذه الأيام العصيبة، ووسط غلاء فاحش طال كل شيء، مدفوعاً بمرارة النزوح، وقسوة العيش في الخيام، وتحديات سوق العمل المعقدة والمشوهة بفعل الحصار والعدوان المتواصلين. ومع كل هذه التحديات الوجودية، يُصدم العامل الفلسطيني حين يُباغت بقرارات الفصل والحرمان من العمل لأسباب تُسوق على أنها (سوسيواقتصادية) مجردة ومُغلّفة بذرائع مالية واهية، لكنها في العمق أداة في معركة سياسية بامتياز؛ إذ تحمل في طياتها أبعاداً أمنية وسياسية واجتماعية خطيرة. إن إغلاق أبواب الرزق المتبقية وطرد الموظفين في هذا التوقيت بالذات ليس مجرد إجراء تقشفي أو تنظيم إداري عابر، بل هو سياسة تؤدي — بقصد أو بدون قصد — إلى إنهاك الحاضنة الشعبية وتفتيت الجبهة الداخلية، عبر تحويل التوظيف من حق إنساني وقانوني إلى أداة للضغط والابتزاز، مما يتقاطع بشكل خطير مع مخططات تقويض عوامل الصمود فوق الأرض. وحينما ننظر إلى مشهد التوظيف والعمل في قطاع غزة من زاوية سوسيولوجية أوسع، نجد أننا لسنا أمام حوادث فردية معزولة أو أخطاء إدارية عابرة يمكن تداركها، بل أمام ظاهرة خطيرة، ممتدة، ومركبة تتمثل في "الطرد الجماعي المنظم" الذي تمارسه مؤسسات دولية ووطنية كبرى في أوقات شديدة الحساسية والكارثية من تاريخ شعبنا. إن المتتبع لقرارات المؤسسات الدولية وبعض مؤسسات القطاع الخاص في الآونة الأخيرة، يُصدم بحجم هذه "المجازر الوظيفية" المتلاحقة؛ إذ أقدم برنامج الأغذية العالمي (WFP) على فصل ما يقارب 500 موظف من العاملين فيه، وتبع ذلك فصل نحو 70 موظفاً من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، وقبلها كانت القرارات الجائرة لبعض المؤسسات الأهلية، والبنوك، والشركات الوطنية الكبرى كالاتصالات وغيرها بإنهاء خدمات مئات الموظفين والعمال. هذا السلوك الإقصائي الجماعي لا يمكن لعلماء الاقتصاد أو الاجتماع، أو حتى النقابيين والمصلحين، تفسيره أو تبريره في ظل هذا الواقع الكارثي؛ ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تتكاتف هذه المؤسسات — وخاصة الأممية والإغاثية والوطنية منها — لتوسيع قاعدة التشغيل، وابتكار خطط عمل طارئة، وزيادة الأمان المعيشي للمواطن كخط دفاع أول عن صموده وثباته، وباعتباره حجر الزاوية لحماية الجبهة الداخلية، نجدها تساهم في تجفيف منابع الدخل الشحيحة المتبقية، وترك الموظف مكشوفاً في مواجهة مصير أسود مجهول. إن تفكيك الأثر الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي لهذه القرارات الجماعية يكشف عن أبعاد استراتيجية خطيرة، تتلخص في المحاور الرئيسة التالية: أولاً: تحويل الطاقات المنتجة إلى فئات معوزة ومسحوقة إن فصل مئات الموظفين دفعة واحدة، في مجتمع تخطت فيه معدلات البطالة والفقر مستويات فلكية غير مسبوقة عالمياً، يعني حكماً إلقاء آلاف العائلات في مستنقع العوز التام والفاقة المذلة، لا سيما وأن الموظف في غزة هو المعيل الفعلي للعائلة الممتدة لا النووية فحسب. هذا الإجراء القاسي يحول هذه الكتلة البشرية الحيوية من طاقة إنتاجية كافية وصامدة، إلى طوابير طويلة تنتظر المساعدات الإغاثية الطارئة، مما يكرس حالة الاعتمادية والاتكال التام، ويحطم كبرياء الكرامة الإنسانية. ثانياً: تصفية رأس المال البشري وإفراغ غزة من عقولها وكفاءاتها لا يمكن عزل هذه السياسات الممنهجة عن المشهد العام والضغوط الرهيبة التي يتعرض لها الإنسان في غزة لدق مسامير اليأس في نعش صموده. فعندما يجد الحرفي، والمهني، والطبيب، والمهندس، والأخصائي الاجتماعي والنفسي، والمتعلم والمؤهل نفسه مطروداً بلا سبب موضوعي، وبلا أفق للمستقبل، ومسلوباً حتى حق الدفاع عن نفسه أو إيصال صوته، فإن هذه القرارات تدفع بالكفاءات مرغمةً ويائسة نحو خيار واحد لا بديل له: سلوك طريق الهجرة والاغتراب بحثاً عن الكرامة المفقودة والأمان الوظيفي المستلب. وهنا يبرز السؤال الكبير المشوب بالمرارة والريبة: هل تتساوق هذه الإجراءات التعسفية — التي تتغطى خلف ذريعة نقص التمويل، أو انتهاء العقود، أو إعادة الهيكلة والتنظيم — مع سياسات "التهجير الناعم" وتفريغ قطاع غزة من نخبه المهنية، وعقوله المفكرة، وطبقته الوسطى؟ ثالثاً: البعد الجيوسياسي للمجاعة الوظيفية وهندسة الفراغ إن علم الاجتماع السياسي يعلمنا أن السياسة لا تُمارس فقط بالترسانة العسكرية، بل تُمارس عبر "هندسة الفراغ وإحداث المجاعة الوظيفية". عندما تتقاطع قرارات المؤسسات الأممية والوطنية الكبرى مع أهداف الاحتلال في جعل قطاع غزة بيئة "غير قابلة للحياة"، فإننا ننتقل من مربع العجز المالي إلى مربع التماهي السياسي الخطير. إن تجفيف السيولة النقدية، وضرب القدرة الشرائية للطبقة الوسطى والفقيرة، يسلب المجتمع قدرته على الإدارة الذاتية والتنظيم، ويحوله إلى كتلة بشرية هائمة تبحث عن النجاة الفردية، مما يسهل تمرير المخططات السياسية التصفوية التي عجز العدوان عن فرضها ميدانياً. هذا التجفيف المتعمد يفتت مقومات الصمود الذاتي، ويحرم غزة من ركائزها البشرية التي تحتاجها في مرحلة "إعادة الإعمار والتعافي الإنساني" المستقبلي. إن الجريمة الأخلاقية والإنسانية التي تُرتكب بحق هؤلاء المطرودين جماعياً، تستند اليوم إلى جدار قانوني هش وضعيف، مستغلة حالة الفوضى العامة وغياب أدوات الرقابة والمحاسبة؛ حيث بات "قانون العمل" والمبادئ القانونية والدستورية، والاتفاقيات الجماعية، والأخلاق المهنية الناظمة لعلاقات التشغيل في مهب الريح بفعل حالة الطوارئ وعدم الاستقرار. إن التذرع بنقص التمويل أو إغلاق المقرات دون بذل جهد حقيقي لإيجاد بدائل خلاقة تضمن استمرارية العمل، هو قراءة ملتوية وانتهازية للقانون؛ ففلسفة القانون في أوقات الكوارث والحروب وُجدت أساساً لحماية الطرف الأضعف في العقد (وهو العامل)، لا لتمكين المؤسسات الكبرى والبنوك من التحلل من مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، في تواطؤ صريح يترك الموظف وحيداً بلا شبكة أمان وظيفي في زمن المجاعة والعدوان. وفي هذا السياق الكارثي، يبرز بعدٌ سيكو-اجتماعي أشد مرارة، يتجلى في "متلازمة الموظف المهدد"؛ حيث يعيش العاملون في هذه المؤسسات تحت وطأة ترهيب وظيفي مبطن وضغوط نفسية هائلة. وفي حالات كثيرة، يفضل الموظف الضحية الانسحاب الصامت، ويطالب بعدم تصعيد الموقف قانونياً أو نقابياً ضد إدارته المتنفذة، تخوفاً من أن يُحارب في قوته اليومي وأمنه المعيشي، أو يتم التحريض عليه وتشويه مهنيته في ميدان العمل لقطع خطوط رجعته مستقبلاً. إن اضطرار الموظف لطلب الخروج الهادئ أمام شعوره بالعجز المطلق وغياب سيادة القانون، هو مؤشر خطير على مدى التغول المؤسساتي واستقوائه على الأفراد المستضعفين والمستنزفين بفعل أهوال الحرب. إن صمت الحكومات، والقوى الوطنية، والنخَب الفكرية، والاتحادات النقابية والعمالية عن هذه المجازر الوظيفية الصامتة لم يعد مقبولاً ولا مبرراً تحت أي لافتة؛ فالسكوت عن "قطع الأرزاق" في هذا التوقيت بالذات يعادل التواطؤ في قطع مقومات البقاء على هذه الأرض. إن مواجهة هذا المخطط الخطير تتطلب فوراً تشكيل جبهة ضغط وطنية، قانونية، وإعلامية موحدة تُجبر المؤسسات الدولية والمحلية على الالتزام بالاستحقاقات التالية: • إعادة النظر بقرارات الفصل الفردي والجماعي وتجميدها فوراً فطالما استمرت حالة الطوارئ الإنسانية والعدوان، يجب اعتبار العقود ممتدة تلقائياً بحكم الواقع الإنساني القاهر وعجز القانون التظهيري. • تدشين قنوات اتصال وضغط مباشرة مع الممولين الدوليين بهدف توضيح الأثر الكارثي والدمار المجتمعي والسياسي الناجم عن تقليص الوظائف على استقرار المجتمع، وغذائه، وصحته، وأمنه القومي والمجتمعي. • إلزام الشركات والبنوك الوطنية الكبرى بمسؤوليتها المجتمعية والأخلاقية والوطنية وتجريم تخلّيها عن موظفيها وعمالها، واعتبار الحفاظ على بقائهم وصون أرزاقهم جزءاً أصيلاً من خطة الدفاع والواجب الوطني الصرف، وليس منةً أو إحساناً. • ابتكار آليات وطنية لدعم المؤسسات وتحفيزها لاستحداث فرص عمل جديدة والتوسع في خدماتها، مع تقديم تسهيلات وتخفيف الالتزامات الرسمية والضريبية تجاهها، لمساعدتها في استيعاب العمال ودفع أجورهم بانتظام. إن غزة التي تنزف صموداً وثباتاً، وتقدم التضحيات الجسام لحفظ الهوية والبقاء، لا تستحق من المؤسسات — دولية كانت أم محلية — طعنات غادرة في خاصرة أمنها واستقرارها المجتمعي. والتاريخ لن يرحم، والأجيال لن تغفر لكل من تواطأ، أو صمت، أو شارك في إفراغ البلد من كفاءاته وعقوله، تساوقاً مع مخططات اقتلاعه وتفريغه وتدمير مستقبله.
فارس: تعديلات نهائية على الاتفاق مع أمريكا تؤكد سيادة إيران وعُمان على مضيق هرمز
عراقجي: أمريكا مسؤولة عن تنفيذ الاتفاق ويجب وقف الهجمات ضد لبنان
اليوم 109..حرب إيران والمحطة ما قبل الأخيرة بعد اتفاق مذكرة التفاهم..وترحيب عالمي
عون مرحّباً باتفاق أمريكا - إيران: لبنان يستحق الاستقرار والتعافي
بري يشيد باتفاق أميركا وإيران ونوه بجهد قطر والسعودية وباكستان
💬 التعليقات (0)