يمثل ادعاء الإحاطة بالحق والحقيقة أحد أبرز مظاهر التيه العقلاني في العصر الحديث، حيث يظن الكثيرون أن الصواب حكر عليهم في كافة شؤون الحياة. هذا الانغلاق الفكري يجعل المرء يرفض النصيحة ويواجه المخالفين بردود مفحمة، متناسياً أن عصر العصمة قد انتهى بوفاة الأنبياء والمرسلين.
لقد حذر الشيخ محمد الغزالي قديماً من ظاهرة التطفل العلمي، حيث يظن من نجح في مضمار واحد أنه بات خبيراً في كل المجالات. هذا الغرور المعرفي يغلق أبواب الإصلاح في الأمة، ويجعل المتطوعين للخير يتوهمون العصمة من الخطأ، مما يعيق أي تقدم حقيقي.
تشير النصوص القرآنية إلى أن فئة الشباب هي الأكثر مرونة وتقبلاً للاختلاف، كما ورد في قصة فتية الكهف الذين زادهم الله هدى. إن حيوية الشباب تجعلهم أقدر على النزول عند الرأي الصواب إذا اتضح لهم، وهو ما يفتقده البعض ممن تأصلت فيهم النزعة الأحادية.
بالنظر إلى السيرة النبوية، نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم كسر قيود السن في تولي المناصب القيادية حينما ولى أسامة بن زيد قيادة الجيش. كان هذا القرار رسالة واضحة بضرورة تقديم الكفاءة على الأقدمية، حتى في وجود كبار الصحابة وأهل الرأي والمشورة.
في المقابل، نجد اليوم إصراراً غريباً من بعض النخب على إقصاء الشباب من دوائر صنع القرار، وكأن الحكمة مرتبطة حصراً بتقدم العمر. هذا النهج يتناقض مع روح العصر ومع التجارب التاريخية التي أثبتت أن التجديد هو سر بقاء الأمم وقوتها.
تظهر المفارقة عند مراقبة المجتمعات الغربية التي قد تمنح الثقة لشاب مسلم مثل زهران ممداني لتولي مسؤوليات كبرى بناءً على كفاءته. بينما في مجتمعاتنا، يصر كبار السن على البقاء في المقدمة حتى وإن تراجعت قدرتهم على العطاء الميداني أو التنقل المستمر.
💬 التعليقات (0)