الكاتب: إبراهيم أبو عواد - كاتب من الأردن
حين يتحوَّل الشعرُ إلى سِيرة جُرح مفتوح، وحين تصبح الكلماتُ بديلًا عن الصرخة التي لا يسمعها أحد، تتشابه مصائر الشعراء مهما تباعدتْ أوطانُهم، واختلفتْ لغاتُهم. فالألمُ الإنساني يمتلك لغةً واحدة، والوجعُ حين يبلغ ذِروته يذيب الحدودَ بين الشرق والغرب، وبين المتوسط والثلوجِ الروسية.
ومِن هذا المنطلق يمكن أن نتأمل المأساة الجماعية التي تَجْمع بين الشاعرة اللبنانية ماجدة داغر والشاعرة الروسية مارينا تسفيتايفا (1892_ 1941 انتحار )، مأساة تتجاوز حدودَ التجربة الفردية لتصبح صورةً مُكثَّفة لمعاناة الإنسان في مُواجهة القَدَرِ والتاريخِ والوَحدة.
جاءتْ تجربة ماجدة داغر الشعرية من قلب لبنان الذي عرف الحروبَ والانقسامات والانهيارات والانتظارات الطويلة. في شِعرها تبدو الذات وكأنَّها تَحمل ذاكرةً جَماعية مثقلة بالخسارات. لَيست القصيدةُ عِندها ترفًا جَماليًّا أو تمرينًا لغويًّا، بلْ مُحاولة مستمرة لإنقاذ ما تبقى مِن الإنسانِ وسط الخراب.
تنبع قصائدُها من منطقة تتجاور في الحساسية الأنثوية معَ الألمِ الوطني، فتتحوَّل التجربة الخاصَّة إلى مِرآة لجماعة كاملة فقدت الأمانَ، وفقدت القُدرةَ على تفسير ما يحدث حَولها. في عالَم ماجدة داغر لا يظهر الحُزنُ بوصفه حالة عابرة، بلْ كَقَدَرٍ يُرافق الإنسانَ في رحلته الوجودية. لذلك تبدو مفرداتها مُحاطة بظلال الغياب والانتظار والقلق والأسئلة المفتوحة. إنَّها تكتب من منطقة الجُرح، لكنَّها لا تستسلم له، بلْ تُحاول أن تمنحه مَعنى. ومِن هُنا تأتي قوةُ تجربتها، إذْ تجعل القارئَ يشعر بأنَّ آلامه الشخصية تجد صدى لها في النَّص، وكأنَّ الشاعرة تتحدَّث باسم جماعة واسعة من المقهورين والمُهمَّشين والمنكسرين.
عندما ننتقل إلى مارينا تسفيتايفا نجد أنفسَنا أمام مأساة أُخرى لا تقلُّ قسوة. عاشت الشاعرةُ الروسية في زمن عاصف شهد الثورات والحروب والمجاعات والاضطرابات السياسية الكُبرى. كانتْ رُوحًا شديدة الحساسية في عالَم لا يَرحم. عرفت المنفى والفقرَ والعُزلةَ وفِقدان الأحبة، وتحوَّلتْ حياتها إلى سلسلة متواصلة مِن الصدامات معَ الواقع. لكنَّها _ رغم ذلك كُلِّه_ ظَلَّتْ مؤمنةً بأنَّ الشعر هو المَلاذ الأخير للرُّوح.
💬 التعليقات (0)