"الحرب دمرت فينا كل شيء"، يقول أبو أسد بحسرة تخنق نبرة صوته وهو يقف على شاطئ غزة، "الميناء الذي كان يعج بالصيادين، وبالمراكب واللنشات التي تملأ الأفق، تحول اليوم إلى مجرد هياكل محطمة وأطلال تسكنها الذكريات".
لم تكن الطائرات والزوارق الحربية الإسرائيلية تستهدف برصاصها وقذائفها مجرد ألواح خشبية وشباك صيد، بل كانت تغتال "ذاكرة المكان" ومصدر الرزق الوحيد لآلاف العائلات التي لم تعرف مهنة غير مصادقة البحر.
في غزة، تحول الصيد من مهنة توفر القوت إلى "مغامرة محفوفة بالموت"؛ فالحصار البحري المشدد والملاحقة المتواصلة لم يمنعا هؤلاء الرجال من مغازلة الأمواج، لكن الأدوات هذه المرة لم تعد كما كانت.
عن هذا الواقع السريالي، يتحدث زكريا بكر، مسؤول لجان الصيادين في القطاع، واصفا عبقرية الحاجة وقسوتها: "يستخدم الصيادون اليوم مجاديف صغيرة يعاد تدويرها وتصنيعها من بقايا القوارب المدمرة"، كما تحولت ألواح "الفلين" وأبواب "الثلاجات القديمة إلى طوافات يرتجلها الصياد لشق عباب البحر.
ويضيف بكر: "الصياد الغزي اليوم يحفر في الصخر ليؤمن قوت يومه، فالاحتلال تعمد تدمير معظم القوارب ومعدات الصيد في الميناء بشكل كامل، ليتأكد من شل حركة الصياد ومنعه من العمل نهائيا".
لم تعد المعاناة محصورة في عرض البحر وضمن الأميال المسموحة والمحاصرة؛ بل امتدت الملاحقة لتطال الصيادين حتى وهم مستلقون على الرمال.
💬 التعليقات (0)