في كل عام، يأتي يوم الأسير الفلسطيني ليذكّرنا بما يجب ألا ننساه أصلًا: أن خلف القضبان حكاية وطنٍ كامل، وأن في الزنازين تختصر معاناة شعبٍ بأكمله. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في غياب التذكير، بل في أن تتحول قضية الأسرى إلى موسمٍ عابر، تُرفع فيه الشعارات ليومٍ أو أيام، ثم تعود إلى هامش الاهتمام، كأنها تفصيل لا عنوان.
أنا، كأسيرٍ محرر، لمست بيدي قسوة السجن، وذقت مرارة القيد، وأعرف جيدًا أن ما يُروى لا يساوي شيئًا أمام ما يُعاش. الأسر ليس مجرد احتجاز جسدي، بل محاولة منظمة لكسر الروح، ومحو الإرادة، وسلب الإنسان من ذاته. واليوم، ما يعيشه الأسرى في سجون الاحتلال يفوق في قسوته كل ما مضى؛ مع تصاعد الانتهاكات، وسياسات التنكيل، والعزل، والإهمال الطبي، وصولًا إلى القتل البطيء والمباشر.
الأرقام وحدها تكشف حجم المأساة: أكثر من 9600 أسير في سجون الاحتلال، بينهم 86 أسيرة، و350 طفلًا، ونحو 3500 معتقل إداري بلا محاكمة. هذه ليست أرقامًا جامدة، بل وجوهٌ وأسماء، وأحلام مؤجلة، وأمهات ينتظرن، وأطفال يكبرون دون آبائهم. وفي العامين الأخيرين فقط، ارتقى ما يقارب 83 أسيرًا شهيدًا، في مشهد يعكس سياسة ممنهجة لا تستهدف الأجساد فحسب، بل الكرامة الإنسانية ذاتها.
ما يجري بحق الأسرى ليس معزولًا عن سياق أشمل؛ إنه جزء من منظومة قمعية تسعى لكسر إرادة الشعب الفلسطيني، وتحويل حياة الأسرى إلى جحيم، خاصة في ظل الحديث عن تشريعات كـ"قانون إعدام الأسرى"، الذي يعكس عقلية انتقامية تسعى لتصفية القضية من جذورها. لكن التجربة أثبتت أن السجون لم تكن يومًا نهاية الحكاية، بل كانت دائمًا مصنعًا للوعي، ومدرسة للصمود.
قضية الأسرى ليست شأنًا إنسانيًا فحسب، بل هي قضية وطنية وسياسية وأخلاقية، بل وشرعية أيضًا. فقد اتفق علماء الأمة، على اختلاف مذاهبهم، على أن تحرير الأسرى وفكّ قيدهم واجب شرعي عظيم، لا يجوز التهاون فيه. هذا الواجب لا يقبل التأجيل، ولا يُختزل في بيانات أو مواقف موسمية، بل يتطلب فعلًا مستمرًا، سياسيًا وإعلاميًا وماليًا وشعبيًا، حتى يُرفع الظلم وتُكسر القيود.
ولا يليق بأي أمة أن تصمت على أسر أبنائها، أو أن تكتفي بالتعاطف دون الفعل. بل إن المسؤولية تتجاوز حدود الانتماء الضيق، كما أكد العلماء، لتشمل كل من يقع تحت مسؤولية الأمة وحمايتها. من هنا، فإن العمل لتحرير الأسرى ليس خيارًا سياسيًا، بل التزام أخلاقي وسيادي لا يجوز التفريط به.
💬 التعليقات (0)