سجل كاتب مجهول عام 1871 يومياته عن العاصمة البريطانية فكتب يقول: "هائل هو إتلاف الأعصاب واستهلاك الدماغ في لندن. يعيش الإنسان على عجل، فيما يجري كل شيء حوله بسرعة عالية وباقتضاب، وسرعان ما يكتشف المتمهلون المملون أن ليس لديهم فرصة؛ فينجرون إلى إيقاع لم يعرفوه، كجواد بليد يجاور عربة سريعة".
من الواضح أننا نسير في الحياة الآن بإيقاع أسرع مما شعر به هذا الكاتب المجهول في الماضي، معتقدين أننا إن توقفنا قليلا فسوف يتجاوزنا الزمن. نعيش في حاضر باهت حل محله قلق دائم إزاء المستقبل. وعلى الرغم من اختراع الإنسان الحديث أجهزة مكنته من اختصار أوقات كثيرة في النقل والتوزيع والسفر والعمل وحتى الأعمال المنزلية، نجده مفتقرا أيما افتقار إلى أي براح في الوقت.
وهذا يُحيلنا إلى بعض التساؤلات الملحة: لماذا تحدث هذه المفارقة؟ لِمَ صارت أوقات الفراغ متخمة بالأشغال بدلا من الاسترخاء؟! وكيف نجحت وتيرة الحياة في خلق فجوة بين الإنسان وزمنه الطبيعي فغيرت إدراكه الذاتي للزمن؟
"إنني أكبر وأنفق جُل وقتي كي أفهم الزمن، فلا أفهمه؛ لذا أشعر أنه عدوي الخفي الذي يضرب دون أن يكون باستطاعتي درء ضرباته عني"
بواسطة ليلى الجهني من كتاب "في معنى أن أكبر"
أمضت الكاتبة البريطانية جاي غريفيث ستة أشهر في صحبة شعب كارين في شمال تايلاند ضمن رحلة قررت خوض غمارها بعد فترة طويلة من الاكتئاب والضياع، كما ذكرت في كتابها "البرية: رحلة في جوهر الطبيعة". تروي غريفيث أنه خلال الأوقات التي قضتها مع هذه القبيلة لاحظت شيئا غريبا استرعى انتباهها، فقد كانت الوحيدة بينهم التي ترتدي ساعة. ومع ذلك، اكتنفها شعور بأنها الوحيدة التي لا تستطيع معرفة الوقت حقا. بدا أفراد القبيلة حساسين للتغيرات التي تطرأ على الضوء ودرجة الحرارة والأصوات، وهو ما منحهم فهما أعمق للوقت أكثر مما يمكن أن توفره الساعة.
💬 التعليقات (0)