لم تكن أم أنس مشعل تنتظر معجزة يوم عاد ابنها من الأسر. كانت تريد فقط أن تراه واقفًا أمامها، أن تسمع صوته، وأن تتأكد أنه ما زال على قيد الحياة.
لكن ما عاد إليها لم يكن الشاب ذاته الذي غادر منزلهم قبل أشهر، بل إنسانًا أثقلته التجربة إلى حد بدا معه وكأنه عاد من مكان أبعد من السجن نفسه.
اعتُقل أنس في مايو/أيار 2025، وحسب ما قالته والدته، فإنه تعرض لضرب شديد على رأسه مرات عدة، ما أدى إلى فقدانه الذاكرة لأسبوع كامل قبل الإفراج عنه. وبعد ذلك بدأ يستعيد جزءًا من ذكرياته بصورة تدريجية، إلا أن ما عاد إليه خلال خمسة أشهر لم يتجاوز ذكريات بسيطة ومتفرقة.
هنا لا تنتهي معاناة الأسرى عند بوابات الإفراج. فبعضهم يخرج حاملًا آثار التعذيب على جسده، وبعضهم يخرج مثقلًا بذاكرة موجوعة، بينما يعود آخرون وقد فقدوا أجزاءً من ذاكرتهم أو قدرتهم على التعرف إلى من يحبون.
عندما أُفرج عن الأسير معزز عبيّات، لم يكن المشهد الذي انتظرته عائلته. وقف والده أمامه، لكن الابن لم يعرفه. اقتربت والدته، فلم يتعرف إليها أيضًا. أما أطفاله الذين طالما حلم بلقائهم، فقد كانوا غرباء في عينيه. لم يكن الأمر غيابًا عابرًا للتركيز أو إرهاقًا ناتجًا عن الاعتقال، بل صدمة قاسية جعلت العائلة تشعر أنها استقبلت ابنها وعجزت، في الوقت نفسه، عن استعادته.
يروي أفراد أسرته أن آثار التعذيب وسوء المعاملة كانت واضحة على جسده ونفسيته، وأن الذاكرة التي حملت وجوه العائلة وسنوات العمر بدت وكأنها مُزقت داخل الزنازين.
💬 التعليقات (0)