يستيقظ الطفل مالك أبو نصر كل صباح ليبدأ رحلة شاقة في شوارع مدينة دير البلح، مجرراً عربة صنعها بجهد شخصي من بقايا كرسي متحرك متهالك. يسعى مالك، الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره، لتأمين قوت يوم عائلته النازحة التي تعيش في خيمة مهترئة، بعد أن فقد والده في غارة جوية إسرائيلية حولت حياتهم إلى صراع مستمر من أجل البقاء.
كان حلم مالك الصغير أن يصبح طبيب أسنان في المستقبل، لكن آلة الحرب أجبرته على ترك مقاعد الدراسة وحمل أعباء تفوق طاقته الجسدية. نزحت عائلته من بلدة بيت لاهيا شمال القطاع بعد تدمير منزلهم، لتستقر في منطقة حدودية خطرة شرق دير البلح، حيث بات هو السند الوحيد لوالدته وأشقائه الثلاثة.
في ظل أزمة المواصلات الخانقة وتدمير البنية التحتية، أصبحت عربة مالك وسيلة ضرورية لنقل أمتعة النازحين واحتياجاتهم مقابل مبالغ زهيدة. لا يتجاوز دخله اليومي 15 شيكلاً، وهو مبلغ ضئيل جداً لكنه يمثل شريان الحياة الوحيد لأسرته التي تعتمد عليه لتوفير الحد الأدنى من المتطلبات الأساسية في ظل الغلاء الفاحش.
تتحدث والدته، آلاء أبو نصر، بمزيج من الفخر والانكسار عن طفلها الذي كان متفوقاً في دراسته ويحفظ أجزاء من القرآن الكريم. تقول إن القلق لا يغادرها طوال ساعات غيابه في الأسواق، حيث يواجه مخاطر القصف والظروف الجوية القاسية بجسده الغض الذي أنهكه العمل الشاق قبل أوانه.
ولا تقتصر مأساة العمالة المبكرة على الذكور، بل امتدت لتشمل الفتيات اللواتي وجدن أنفسهن في مواجهة مباشرة مع قسوة الشارع. نور بارود، طفلة في الثالثة عشرة من عمرها، تقضي نهارها خلف بسطة لبيع الوقود المصنع محلياً من حرق النفايات البلاستيكية، وهو عمل محفوف بالمخاطر الصحية والبيئية.
نور التي كانت تحلم بدراسة الطب، باتت اليوم خبيرة في أنواع الوقود البديل الذي يلجأ إليه السكان بسبب حصار الوقود ومنع دخوله للقطاع. تؤكد الطفلة أن الحرب سلبتها حقها في اللعب والتعليم، وجعلتها مسؤولة عن مساعدة والدها في تأمين احتياجات الأسرة المتزايدة في ظل الانهيار الاقتصادي.
💬 التعليقات (0)