كلما اقتربت الأطراف من بحث الانتقال إلى مراحل جديدة من اتفاق إنهاء الحرب في غزة، ظهرت مؤشرات ميدانية تعكس اتجاها إسرائيليا معاكسا، مع توسع الخروقات وتقدم السيطرة على الأرض بدل تحويل التهدئة إلى مسار لوقف الحرب وتخفيف الكارثة الإنسانية، فيما يراه مراقبون محاولة لإفراغ الاتفاق من مضمونه وإعادة توظيفه لأهداف لم تحققها الحرب.
هذه الصورة برزت في اتهامات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لإسرائيل، التي تحدثت عن إزاحة "الخط الأصفر" نحو الغرب، واستمرار القصف ومنع المساعدات وفرض وقائع ميدانية جديدة، لكن خلف هذه الاتهامات يظل السؤال مطروحا حول مصير الاتفاق، وما إذا كانت تل أبيب تتجه لإعادة صياغة التهدئة وفق شروطها الخاصة بدل الالتزام بمسارها الأصلي.
ويبدو أن جوهر الخلاف لم يعد مرتبطا بتفصيل إجرائي أو بند مؤجل، بقدر ما يتعلق بطبيعة الاتفاق الذي يجري تطبيقه فعليا، فبينما يُفترض أن تقود المرحلة الأولى إلى تخفيف المعاناة الإنسانية وتهيئة الأرضية لمراحل لاحقة، تتصرف إسرائيل كما لو أنها تخوض سباقا مع الزمن لتوسيع نفوذها داخل القطاع قبل الوصول إلى أي استحقاق سياسي ملزم.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي أحمد الطناني، خلال مشاركته في برنامج "ما وراء الخبر"، أن المشكلة لا تكمن في خروقات متفرقة، بل في نهج متكامل يقوم على تعطيل كل ما يمكن أن يسمح لغزة بالتقاط أنفاسها، بدءا من البروتوكول الإنساني ووصولا إلى إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
وبحسب هذه القراءة، فإن منع المساعدات واستمرار القصف وعمليات الهدم لا تبدو إجراءات منفصلة، بل حلقات في سياسة أوسع هدفها إبقاء القطاع في حالة استنزاف دائم، بحيث يتحول الاحتياج الإنساني إلى ورقة ضغط تُستخدم في المفاوضات وفي رسم مستقبل غزة السياسي والأمني.
ويعزز هذا الانطباع أن إسرائيل لا تبدي حماسة للحديث عن استكمال التزاماتها بقدر ما تدفع باتجاه حصر النقاش في قضية واحدة هي سلاح المقاومة، وهنا يظهر تحول جوهري في مسار الاتفاق، إذ يجري نقل مركز الثقل من وقف الحرب وإنهاء الكارثة الإنسانية إلى ملفات أمنية معقدة تمثل أولوية إسرائيلية بالدرجة الأولى.
💬 التعليقات (0)