أمد/ منذ أكثر من ثلاثة عقود، جعل بنيامين نتنياهو من الملف الإيراني محوراً مركزياً في خطابه السياسي والأمني والدبلوماسي. فمنذ صعوده إلى واجهة الحياة السياسية الإسرائيلية، لم يتوقف عن التحذير من "الخطر الإيراني" ومن البرنامج النووي الإيراني، مقدماً نفسه باعتباره القائد الذي يقف في الخطوط الأمامية للدفاع عن إسرائيل والعالم في مواجهة ما يصفه بالتهديد الوجودي القادم من طهران.
وفي أحدث تصريحاته، عاد نتنياهو ليؤكد أن إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً طالما بقي رئيساً للحكومة، وأن هناك توافقاً كاملاً بينه وبين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول هذه المسألة، مضيفاً أنه أمضى أكثر من ثلاثين عاماً في قيادة النضال الدولي ضد المشروع النووي الإيراني.
ورغم أن المخاوف المرتبطة بانتشار الأسلحة النووية تمثل قضية مشروعة في السياسة الدولية، فإن قراءة أعمق لهذا الخطاب تكشف أن المسألة تتجاوز مجرد القلق الأمني، لتلامس جوهر الاستراتيجية السياسية الإسرائيلية الهادفة إلى إعادة تعريف الصراع في المنطقة، ونقل مركز اهتمام العالم من القضية الفلسطينية باعتبارها أصل المشكلة، إلى ملفات أخرى تجعل إسرائيل تبدو وكأنها ضحية مهددة وليست قوة احتلال تمارس سيطرتها على شعب آخر منذ عقود.
لقد أدرك نتنياهو مبكراً أن استمرار التركيز الدولي على الاحتلال والاستيطان والقدس واللاجئين وحقوق الشعب الفلسطيني يضع إسرائيل في موقع المساءلة السياسية والقانونية والأخلاقية. ولذلك عمل بصورة منهجية على بناء رواية بديلة تجعل إيران، وليس الاحتلال، هي القضية المركزية في الشرق الأوسط، وتجعل الأمن الإسرائيلي، وليس الحقوق الفلسطينية، هو العنوان الرئيسي للنقاش الدولي.
وهكذا انتقل الاهتمام العالمي تدريجياً من السؤال الجوهري: كيف يمكن إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية المشروعة؟ إلى سؤال آخر مختلف تماماً: كيف يمكن مواجهة إيران ومنعها من امتلاك قدرات نووية؟
لقد كانت هذه واحدة من أكثر الاستراتيجيات السياسية نجاحاً في تاريخ الدبلوماسية الإسرائيلية. فبدلاً من أن تبقى إسرائيل تحت ضغط متواصل بسبب سياساتها الاستيطانية وممارساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، نجحت في تحويل نفسها إلى شريك ضروري في مواجهة "الخطر الإيراني"، وتحولت من موقع المتهم بانتهاك القانون الدولي إلى موقع المدافع عن الاستقرار الإقليمي والأمن العالمي.
💬 التعليقات (0)