أمد/ حين كانت حرب الإبادة تشتعل في قطاع غزة، والموت يملأ الطرقات، والدمار يطال البيوت والمباني، والمجاعة تنهش البطون، زرت في تموز/يوليو 2024، وبعد خروجي من حصار امتد عشرة أيام، مباني جامعة الأزهر بصفتي عضواً في مجلس أمنائها للاطمئنان على أوضاعها. يومها شاهدت الكتل الإسمنتية وقد سقطت فوق بعضها بعضاً، فيما كان الدخان لا يزال يتصاعد من بعض المباني التي طالتها آلة الحرب. ومن بين الركام، عرجت إلى مبنى المعاهد الأزهريّة الواقع إلى الغرب من الجامعة. هناك أجريت اتصالاً هاتفياً مع الدكتور علي النجار، رئيس المعاهد الأزهريّة في فلسطين، وتحدثنا عن حجم التدمير الذي أصاب مباني المعاهد والجامعة، شأنها شأن عشرات المؤسسات التعليمية التي تعرضت للاستهداف. لكن ما يستحق أن يُروى اليوم ليس حجم الدمار فقط، بل حجم الإرادة التي واجهته وانتزعت من بين أنقاضه قصة نجاح استثنائية. أصرّ الدكتور علي النجار على ألا يُحرم الطلبة والطالبات من حقهم في التعليم، وألا تضيع سنواتهم الدراسية بسبب الحرب. وبينما كانت المباني مدمرة والبنية التحتية منهارة، بدأت رحلة شاقة للبحث عن مقاعد وطاولات وقرطاسية، وتأمين الحد الأدنى من مقومات العملية التعليمية في ظروف تكاد تكون مستحيلة. كما جرى العمل على توفير ما أمكن من خدمات الإنترنت والكهرباء لضمان استمرار العملية التعليمية وتمكين الطلبة من متابعة دراستهم. وفي نهاية العام الماضي، نجح الدكتور النجار، من خلال تواصله مع مشيخة الازهر وفضيلة الدكتور الشيخ أحمد الطيب ، في ضمان تقدم الطلبة لامتحاناتهم وفق النظام المعتاد. فقد جرى تنظيم الامتحانات داخل غزة، ثم إرسال دفاتر الإجابات إلى جامعة الأزهر في القاهرة عبر نظام المسح الضوئي، رغم ما تطلبه ذلك من جهد وعناء في ظل الحرب والدمار وانقطاع وسائل الاتصال. وبهذه الآلية تمكن نحو 700 طالب وطالبة من التقدم لامتحانات الثانوية الأزهرية. لكن هذا العام حمل تحدياً جديداً. فقد تزامن موعد الامتحانات في غزة في الثاني من حزيران مع امتحانات المعاهد الأزهريّة في مصر، وفوجئت الإدارة عشية الامتحانات بأن الكنترول في القاهرة لن يتمكن من استقبال دفاتر الإجابات عبر النظام الإلكتروني كما حدث في العام الماضي. وكان ذلك يعني عملياً حرمان 450 طالباً وطالبة من التقدم للامتحانات وضياع عام كامل من الجهد والتعب والانتظار. أمام هذا الواقع لم تستسلم إدارة المعاهد الأزهريّة. فبعد أن بذلت جهوداً كبيرة لتوفير وسائل نقل مجانية تضمن وصول الطلبة من مختلف محافظات القطاع إلى مدينة غزة، بدأت سباقاً جديداً مع الوقت لإنقاذ العام الدراسي. وتم الاتفاق مع الجهات المعنية في القاهرة على إرسال دفاتر الإجابات الورقية، التي تتكون من اثنتي عشرة صفحة لكل طالب يومياً، إلى السفارة الفلسطينية في القاهرة. كما جرى شراء ماكينتي تصوير وكميات كبيرة من الورق لتصوير الدفاتر وختمها بخاتم السفارة، بإشراف موظفين فلسطينيين اثنين اضطرتهما الحرب للنزوح إلى القاهرة، قبل تسليمها إلى الجهات المختصة في الأزهر. واليوم زرت المعاهد الأزهريّة في مدينة غزة برفقة الرفيق محمود الزق، واستمعت مباشرة إلى تفاصيل هذه القصة التي تختصر معنى الصمود الحقيقي. إنها ليست مجرد قصة امتحانات أو إجراءات إدارية معقدة، بل قصة شعب يتمسك بحقه في الحياة والعلم والمعرفة رغم النار والدمار والجوع والنزوح. في غزة، لم تعد العملية التعليمية مجرد مهمة تربوية، بل تحولت إلى معركة يومية للدفاع عن المستقبل. فحين يبحث المسؤولون والمعلمون بين الركام عن مقعد دراسي، ويصرّ الطلبة على الوصول إلى قاعات الامتحانات رغم المخاطر والمعاناة، فإنهم يوجهون رسالة واضحة بأن الاحتلال يستطيع أن يهدم المباني، لكنه يعجز عن هدم الإرادة. إن شعباً يواصل تعليم أبنائه تحت القصف، ويبتكر الحلول في أصعب الظروف، ويصرّ على أن يصل طلبته إلى قاعات الامتحان رغم كل ما يحيط بهم من مآسٍ، هو شعب لا يمكن أن يُهزم، ولا يمكن لإرادته أن تنكسر. فالتعليم هنا لم يعد مجرد حق، بل أصبح شكلاً من أشكال الصمود والمقاومة، ورسالة يومية تؤكد أن الحياة أقوى من الحرب، وأن المستقبل يُبنى بالإرادة مهما اشتد الخراب، وأن شعباً ينجح في إيصال أبنائه إلى قاعات الامتحانات من بين الركام، قادرٌ حتماً على أن ينهض من تحت الأنقاض ويصنع مستقبله رغم محاولات الاقتلاع والتدمير.
السلام الآن: إسرائيل ستخصص 338 مليون دولار لتوسيع مستوطنات الضفة
اليوم 105..حرب إيران: قصف متبادل بين قوات أمريكا والحرس الثوري..وصمت إسرائيلي مفاجئ
ترامب يهدد بضربات عسكرية "شديدة" ضد إيران والسيطرة على منشآتها النفطية
الهلال الأحمر الفلسطيني يطالب بإنقاذ مسعف محتجز ويكشف تفاصيل حادثة "صلاح الدين" - فيديو
إصابة ضابط في جيش الاحتلال بجروح خطيرة بانفجار عبوة ناسفة في جنين
💬 التعليقات (0)