في كتابه "من جمر إلى جمر"، يروي الباحث والمناضل الفلسطيني منير شفيق أنه في زيارة مع وفد شيوعي عربي إلى شمال فيتنام في خضم الحرب الباردة، وجَّه الزعيم الفيتنامي الشيوعي المعروف "هو تشي منه" سؤالًا إلى أمين عام الحزب الشيوعي المغربي عن ثورة عبد الكريم الخطابي وتشكيلاته العسكرية. وحين لم يتلقَّ "هو تشي منه" جوابًا شافيًا أبدى استغرابه ودهشته قائلا: كيف لشيوعيين ألّا يحيطوا علمًا بمثل هذه القضايا، وهي من "ألف باء" فهم المجتمع؟ أو هكذا رآها من وجهة نظره.
"الحرب تختزل كل ما يحدث في المجتمع"
"تختصر العرب كل ما يعتمل في المجتمع". يمكننا اعتبار هذه القاعدة إحدى المسلمات الاساسية في العلوم الاجتماعية. في إسرائيل، كان مارتن فان كريفيلد، أستاذ الدراسات العسكرية بكلية التاريخ في الجامعة العبرية، وهو باحث إسرائيلي من أصول هولندية، قد أسهم بدراساته في وضع لبنة مركزية في حقل دراسات الحرب في المجتمع الأكاديمي الإسرائيلي. وتعد ثلاثية كريفيلد "التقانة والحرب" (1988)، و"تحول الحرب" (1991)، و"قيام الدول وانهيارها" (1999)، من أهم المراجع في الدراسات الحربية حتى اليوم.
يركز كريفيلد في هذه الكتب على نقد مفهوم المنظر العسكري الألماني الشهير كارل فون كلاوزفيتز عن "ثالوث الحرب"، القائم على الحكومة والجيش والشعب، وإلى تفكيك المقاربات "الاختزالية" التي تربط بين التفوق القتالي والتكنولوجيا العسكرية. فالتكنولوجيا وحدها في رأيه، لا تحسم نتائج الحروب، حيث يعتمد التفوق القتالي على قدرة المجتمع والجيش معا على استيعاب التكنولوجيا ثقافيا وتنظيميا. فالسلاح والتقانة ليسا مجرد أدوات، بل جزء من نظام اجتماعي وثقافي متكامل. وكل تقانة عسكرية تفرز بالضرورة تسلسلا قياديا معينا، ونوعا محددا من الانضباط، ونمطا ثقافيا خاصا، كما أن كل مجتمع ينتقي بدوره نمطا معينا من التقانة، ويفرز تشكيلات محددة من الجيوش وأساليب القتال.
"كل تقنية عسكرية تولد تسلسلا قياديا معينا، وشكلا مختلفا من الانضباط، كما أن كل مجتمع ينتقي نمطا معينا من التقانة، ويفرز تشكيلات محددة من الجيوش وأساليب القتال"
من هذه الزاوية قدم كريفيلد قراءته لتكتيكات الحرب الخاطفة الألمانية باعتبارها تجليا لحقيقة العلاقات وقوى الإنتاج داخل المجتمع الألماني، ومن ثم صار بالإمكان قراءة أساليب القتال الفرنسية في معركة فردان على الجبهة الغربية خلال الحرب العالمية الأولى، أو حرب عاصفة الصحراء الأمريكية على العراق، على أنهما تجسيد للعلاقات الاجتماعية داخل كل من فرنسا أو الولايات المتحدة آنذاك.
💬 التعليقات (0)