"خراريف شعبية" كتاب للمناضلة تودد عبد الهادي والذي يقع في 286 صفحة من القطع المتوسط والصادر بطبعته الاولى عن دار ابن رشد في بيروت عام 1980. الكتاب يعمل على تدوين سبعين حكاية شعبية من ريف ومدن فلسطين بلهجة محكية، تتناول قصصاً رمزية للحيوانات، وأساطير شعبية، وحكايات ذكاء تعزز قيم الصمود والارتباط بالأرض. توثق هذه الحكايات الذاكرة الجماعية الفلسطينية وتقدم وسيلة نضالية تربوية، وتعد بمثابة دراسة أنثروبولوجية هامة للتراث غير الملموس. يتناول الكتاب الحكايات الشعبية التي كانت متداولة ومعروفة بالمجتمع الفلسطيني منذ القدم، وهي حكايات متاصلة ومتجذرة بالشعب الفلسطيني ومتوارثة اب عن جد وجيلا بعد جيل ، ولا يعرف على وجه الخصوص قائلها، وطرات عليها تغيرات واضافات واختلافات باختلاف الزمان والمكان والغاية والهدف من روايتها.. وتتميز هذه الحكايات النادرة بأحداثها المشوقة وبجمالية الخيال، وبمرونة الأحداث والتواريخ والأسماء التي توظف لخدمة النواة الأساسية لأحداث القصة، الكتاب جهد كبير،من حيث الجمع، والتصنيف، والدراسة، وهو صون لهذه الحكايات من الاندثار، لأن راوياتها سيرحلن ومعهن الحكايات الشفوية، ويُعد كتاب "خراريف شعبية" للمناضلة والمربية تودد عبد الهادي، الصادر عام 1980، مرجعاً أساسياً لتوثيق الفلكلور الشفوي الفلسطيني ويشكل جزءاً من المقاومة الثقافية للحفاظ على الهوية. وبناءً على حجم التوثيق الدقيق لكتاب "خراريف شعبية"، يمكننا عرض ملخص مكثف لأقسام ومضامين هذا العمل التراثي الهام: 1. الإطار الأنثروبولوجي والاجتماعي (المقدمة)وضعت الحاجة تودد في مقدمة كتابها خلفية نظرية تربط فيها بين "الخرّافية" (الأعجوبة أو الحكاية الشفوية) وبين نمط الحياة الاجتماعي في القرية والمدينة الفلسطينية. حيث وثقت فيه البيئة الزمانية والمكانية لإلقاء هذه الحكايات؛ حيث كانت الجدات والأمهات يتحلقن مع الأطفال حول "كانون النار" أو في سهرات الصيف بعد انتهاء أعمال الحصاد والزراعة، لتبدأ الحكاية بعبارات استهلالية ثابتة تطلب من المستمعين ذكر الله وتوحيده. 2. التبويب الموضوعي للحكايات (بنية الكتاب) تنقسم الـ 286 صفحة من الكتاب إلى عدة تصنيفات ومحاور أساسية من التراث والأدب الشعبي: أساطير الجن والغيلان وقوى الطبيعة: يضم حكايات خيالية تتناول "الغول" و"السكّينة" والمخلوقات السحرية، ولكنها جُردت من طابع الرعب المحض لتوظف كرموز للصراع بين الخير والشر، حيث ينتصر الإنسان دائماً بذكائه وحيلته. حكايات الحيوانات الرمزية (على لسان الطير والوحش): قصص تشبه حكايات "كليلة ودمنة" بصبغة فلاحية فلسطينية، تستخدم الحيوانات (كالذئب، والواوي/ابن آوى، والضبع، والهدهد) لتمرير حِكم ومواعظ أخلاقية حول الوفاء، والحرص، وعاقبة الطمع والخيانة. قصص الشطار والذكاء الشعبي: حكايات تركز على شخصيات شعبية ذكية (مثل الشاطر حسن، أو الفتاة الفطنة) التي تنجح في التغلب على الحكام الظلمة أو الأغنياء الجشعين، وهي إسقاطات ذكية من البيئة الفلسطينية لرفض الظلم والتمسك بالحقوق والكرامة. 3. الأبعاد اللغوية والتوثيقية حفظ اللهجة الفلاحية: تميز الكتاب بنسخ الحكايات كما نُطقت في ريف شمال فلسطين (جنين ونابلس)، مع الحفاظ على الكنايات، والأمثال الشعبية، والتعابير الزجلية المرافقة للقصة، مما يجعله مرجعاً لغوياً لدراسة تطور اللهجة الفلسطينية. الأهازيج والأغاني الداخلية: توثيق الأبيات الشعرية الصغيرة والغنائية التي كانت تنطقها بطلات وأبطال الخراريف في مواقف الحزن أو الفرح (مثل نداءات "جبينة" الشهيرة لطير الحمام). يُعتبر هذا الكتاب من المحاولات المبكرة والناجحة لإنقاذ التراث اللامادي الفلسطيني من الطمس، وتحويل القصص الشفوية الهاربة من ألسن الجدات إلى مادة توثيقية مطبوعة تحفظ للأجيال القادمة ملامح الهوية الثقافية. تم توظيف "الخراريف" والحكايات الشعبية (مثل كتاب الحاجة تودد عبد الهادي وغيره من المراجع) في المناهج الثقافية والتعليمية لاحقاً من خلال عدة آليات استراتيجية استهدفت تحويل التراث الشفوي الهارب إلى مادة حية تدوم وتدوم بدوام الفعل الحضاري للشعب الفلسطيني، وتستخدم كمادة تعبوية ووطنية تجذر الانتماء وتربطه باصوله الضاربة في التاريخ . يشكل هذا الكتاب خراريف شعبية مصدرا ومرجعا مهما وصاحب دور رئيسي واصيل في حفظ التراث والموروث الشعبي الفلسطيني الشفوي وتحويله الى مادة مكتوبة تحفظه من العبث والتخريب وحتى انها تحفظه من محولات العدو الدؤوبة الهادفة الى طمس وتغييب معالم هذا التراث.. هذا الكتاب وامثاله من ذات المضمون التراثي شكلت بمجملها رافدا ودافعا لحفظ التراث الشعبي الفلسطيني وصونه والعناية به ، وباتمام الحاجة تودد لهذا الكتاب "خراريف شعبية" فانه ينضم الى مجموعة واسعة من الكتب التي ساهمت بمجملها بحفظ هذا الموروث، مع ضرورة التذكير بان معظمها جاء بعد هذا الكتاب، مثل: (أغاني العمل والعمال في فلسطين) لعلي الخليلي، (الحكاية الشعبية في المجتمع الفلسطيني) (دراسة ونصوص) لعمر عبد الرحمن الساريسي، معجم الأمثال الشعبية الفلسطينية أحمد عمر شاهين وفؤاد ابراهيم عباس، (الأغنية الشعبية الفلسطينية) لحسن الباش، حداء واغاني الثوار لابراهيم صالح ابو عرب، خليل حسونة الاغنية والاغنية السياسية الفلسطينية، المراة في الادب الشعبي الفلسطيني لعابد الزريعي،كتاب "دراسات في الفولكلور الشعبي الفلسطيني: التراث الغنائي": للباحث عيسى خليل محسن الحسيني، والذي يجمع ويدرس الأغاني الشعبية والموروث الغنائي.فنون الأدب والطرب عند قبائل النقب: صدر عام 1984، ويُعد من أعمق الدراسات التي وثقت الأهازيج، والأغاني البدوية، والموروث الشفوي لقبائل بئر السبع والنقب، أقاصيص وأشعار من البادية: يجمع فيه الباحث مجموعة من القصص الواقعية والمأثورة من مجتمع البادية مصحوبة بالشعر البدوي القديم. (الفولكلور الفلسطيني) ل عوض سعود عوض، ناهيك عن كتابات نمر سرحان المتعددة المواضيع، وعلى راسها ، موسوعة الفولكلور الفلسطيني والتي تُعد من أشمل المراجع التي تغطي جوانب الثقافة الشعبية الفلسطينية من الألف إلى الياء، وتوثق الحكايات والأمثال والعادات. وكتاب تراث فلسطيني لمحمد عاي الفرا، وقول ياطير لابراهيم مهوي وشريف كناعنة، التراث الشعبي الفلسطيني ملامح وابعاد خليل حسونة، موسوعة المفردات غير العربية في العامية الفلسطينية لمصلح كناعنة، قبس من تراث المدينة والقرية الفلسطينية لصباح السيد عزازي، وكتابات ودراسات كثيرة.. هذه كتب يسجل لاصحابها جميعا مساهمتهم الجليلة في حفظ معالم هذا التراث والتي تؤكد دوما على اصالة شعبنا وجدارته في الحياة فوق ارضه وارض اجداده والتي طبعها ببصمته الخاصة ، وما كتاب الخراريف الشعبية الذي نحن بصدده ، الا تعبير حي واصيل ومتجذر عن اصالة هذا الشعب، وحقه في البقاء على ارضه وارض اجداده والحفاظ على هويته وتراثه وابقاءه تراثا حيا ممتدا في ابناءه جيلا بعد جيل ليعبر عن اصالته وتطوره وديمومته .. هذا الكتاب وامثاله يقدم لنا خلاصة مفادها ان الحكاية الشعبية ليست مجرد قصة تُروى، بل هي وعاء للهوية، وخزان للذاكرة، ومرآة تعكس روح الجماعة البشرية. وإذا كانت الشعوب جميعاً تحتاج إلى حكاياتها كي تعرف نفسها وتحفظ تاريخها، فإن الفلسطينيين يحتاجون إليها مضاعفاً لأنها تمثل إحدى أهم وسائل صون الذاكرة الوطنية في مواجهة الاقتلاع والنسيان. لقد حمل الفلسطيني معه مفتاح بيته، وصورة قريته، واسم أرضه، لكنه حمل أيضاً حكاياته. وكانت هذه الحكايات، وما زالت، جسراً يربط الأجيال بوطنها، ويؤكد أن ما يُروى لا يموت، وأن الذاكرة حين تتحول إلى حكاية تصبح أكثر قدرة على البقاء من الحجر نفسه. ففي فلسطين، لم تكن الحكاية الشعبية ترفاً ثقافياً، بل كانت شكلاً من أشكال البقاء، ووثيقةً من وثائق الحق، ووطناً يُحمل في الذاكرة عندما يُنتزع من الجغرافيا.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
💬 التعليقات (0)