f 𝕏 W
أزمة المقاصة.. استراتيجية إسرائيلية لتقويض السلطة وفرض واقع جديد

جريدة القدس

سياسة منذ 9 سا 👁 0 ⏱ 18 د قراءة
زيارة المصدر ←

أزمة المقاصة.. استراتيجية إسرائيلية لتقويض السلطة وفرض واقع جديد

🤖
ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
تتزايد المخاوف من تداعيات قرار إسرائيلي جديد باقتطاع مبالغ إضافية من أموال المقاصة الفلسطينية، والذي يراه خبراء ومحللون استراتيجية إسرائيلية لتقويض السلطة الفلسطينية وإضعاف قدراتها الاقتصادية والسياسية. تهدف هذه الإجراءات إلى تحويل أموال المقاصة إلى أداة ضغط وابتزاز دائمة، مما يهدد بقدرة السلطة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية ويزيد من الأزمة المالية والاقتصادية في الأراضي الفلسطينية.
📌 أبرز النقاط

الأربعاء 10 يونيو 2026 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس

مسيف مسيف: هناك نهج إسرائيلي مستمر وليس وليد المرحلة الحالية يهدف إلى منع السلطة من تعزيز قدراتها الاقتصادية وترسيخ حضورها السياسيجهاد حرب: إسرائيل تسعى لتحميل السلطة مسؤولية أيّ عمليات لدفعها لممارسة مزيد من الضغوط على المجتمع ومنع أي أعمال مقاومة للاحتلالأيهم أبو غوش: مواصلة إسرائيل سياسة الاقتطاعات واحتجاز أموال المقاصة قد تؤدي خلال الأشهر المقبلة إلى عجز السلطة عن القيام بالتزاماتهامحمد الرجوب: الخطورة في تأسيس معادلة جديدة بالتعامل مع أموال المقاصة المحتجزة لتصبح أداة دائمة للضغط والابتزاز حتى حال التوصل لتفاهمات مستقبليةحسناء الرنتيسي: الخطر الأعمق تراجع القدرة على التخطيط بسبب ربط الاقتطاعات بتقديرات إسرائيلية متغيرة تُحوّل إدارة المالية العامة لعملية "نجاة شهرية"سليمان بشارات: هذه السياسات هدفها إحداث حالة من الانهيار المنظم داخل المجتمع الفلسطيني لفتح المجال أمام زيادة الضغوط والدفع للبحث عن الهجرةرام الله – خاص بـ"القدس"-تتسع المخاوف من تداعيات القرار الأخير القاضي للكنيست الإسرائيلي باقتطاع مبالغ إضافية من أموال المقاصة لتعويض ما تسميهم إسرائيل متضرري العمليات التي ينفذها فلسطينيون، في ظل تحذيرات من أن الخطوة لا تقتصر على آثارها المالية المباشرة، بل تعكس توجهاً إسرائيلياً متصاعداً لتحويل أبرز الإيرادات الفلسطينية إلى أداة ضغط سياسية واقتصادية دائمة، بما يعمق الأزمة التي تواجهها السلطة الفلسطينية ويحد من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الأساسية.ويرى خبراء اقتصاديون وكتاب ومحللون سياسيون، في أحاديث مع "القدس"، أن الاقتطاعات الجديدة تأتي ضمن مسار متواصل يستهدف إحكام السيطرة على الموارد المالية الفلسطينية واستنزافها تدريجياً، عبر توسيع نطاق الخصومات وربطها بقرارات وتشريعات إسرائيلية داخلية، الأمر الذي يهدد بتقليص الإيرادات التي تشكل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة العامة، ويضع قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، أمام ضغوط متزايدة، محذرين من أن ما تقوم به إسرائيل من استمرار احتجاز الأموال والاقتطاعات المتراكمة قد يدفع السلطة إلى مرحلة أكثر حرجاً مالياً، مع ارتفاع مستويات الدين العام وتراجع القدرة على التخطيط المالي والإنفاق التنموي.ويشيرون إلى أن تداعيات الأزمة لن تقتصر على المؤسسات الرسمية، بل ستمتد إلى الأسواق المحلية والقطاع الخاص ومستويات المعيشة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تكريس واقع تصبح فيه أموال المقاصة أداة ابتزاز وضغط طويلة الأمد، بما يهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني خلال السنوات المقبلة.هجمة سياسية اقتصاديةيحذّر الباحث في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" مسيف مسيف من التداعيات السياسية والاقتصادية للقرار الإسرائيلي الأخير القاضي باقتطاع مبالغ إضافية من أموال المقاصة الفلسطينية لصالح من تصفهم إسرائيل بأنهم متضررون من عمليات فلسطينية، معتبراً أن الخطوة تأتي في إطار "هجمة سياسية اقتصادية" تستهدف إضعاف السلطة وتقويض قدرتها على أداء وظائفها الأساسية.وبحسب مسيف، فإن الاقتطاعات الجديدة لا يمكن فصلها عن سياسة إسرائيلية متواصلة تهدف إلى شل عمل السلطة الفلسطينية وإبقائها عند الحد الأدنى من القدرة على تقديم الخدمات لمواطنيها، موضحاً أن الهدف يتمثل في جعل المؤسسات الفلسطينية عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها الأساسية، وخاصة في القطاعات الأكثر التصاقاً بحياة المواطنين.ويشير إلى أن آثار الأزمة بدأت تظهر بصورة واضحة في القطاع الصحي، حيث تواجه وزارة الصحة والمستشفيات تحديات متزايدة نتيجة الأزمة المالية المتفاقمة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على المرضى والخدمات الصحية، مشدداً على أن استهداف هذا القطاع يترك آثاراً عميقة على نظرة المواطنين لمؤسسات السلطة، لأن الخدمات الصحية والمعيشية تمثل أكثر الملفات حساسية بالنسبة للجمهور الفلسطيني.إضعاف الموقف الفلسطينيويرى مسيف أن خطورة هذه الإجراءات لا تقتصر على تعميق الأزمة المالية الحالية، بل تمتد إلى إضعاف الموقف الفلسطيني في أي مفاوضات مستقبلية، معتبراً أن إسرائيل تسعى إلى رفع سقف مطالبها مقابل خفض سقف المطالب الفلسطينية إلى أدنى مستوى ممكن. ويلفت مسيف إلى أن الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون، بما في ذلك القيود المفروضة على الحركة وانتشار الحواجز والبوابات العسكرية، إلى جانب توقف عشرات آلاف العمال عن العمل داخل إسرائيل، قد تتحول إلى أوراق ضغط تستخدمها الحكومة الإسرائيلية خلال أي ترتيبات أو تفاهمات مقبلة.وفي ما يتعلق بالحديث عن إمكانية حدوث انفراجة في الأزمة المالية قبل نهاية العام، يشكك مسيف في قدرة الوعود الأوروبية أو الأمريكية على إحداث تحول حقيقي في الواقع المالي الفلسطيني، مشيراً إلى أن الأزمة سبقت الحرب على غزة بسنوات واستمرت بصورة متواصلة.ويؤكد مسيف أن أي دعم مالي خارجي، مهما بلغ حجمه، سيبقى دعماً طارئاً ومؤقتاً لا يعالج جذور الأزمة البنيوية التي تعانيها المالية العامة الفلسطينية.حالة إفلاس غير معلنةويوضح مسيف أن السلطة الفلسطينية تواجه "حالة إفلاس غير معلنة"، موضحاً أن مؤشرات الملاءة المالية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل ارتفاع الدين العام وتراجع القدرة على الوفاء بالالتزامات المالية.ويشدد على أن جميع الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة تعد إجراءات غير قانونية ومخالفة لاتفاقية باريس الاقتصادية والأعراف الدولية، مؤكداً أن محاولات الحكومة الإسرائيلية منح هذه الاقتطاعات غطاءً قانونياً عبر تشريعات الكنيست لا تغير من وضعها القانوني.ويؤكد مسيف أن سياسة إضعاف السلطة الفلسطينية اقتصادياً وسياسياً ليست وليدة المرحلة الحالية، بل تمثل نهجاً إسرائيلياً مستمراً يهدف إلى منع السلطة من تعزيز قدراتها الاقتصادية وترسيخ حضورها السياسي.إحكام السيطرة على الإيرادات الفلسطينيةيؤكد الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب أن مصادقة إسرائيل على إجراءات وتشريعات جديدة تتعلق بأموال المقاصة تندرج ضمن مسار متواصل يهدف إلى تشديد الخناق المالي والسياسي على السلطة الفلسطينية، عبر إحكام السيطرة على الإيرادات الفلسطينية التي تجبيها إسرائيل بموجب اتفاق أوسلو وبروتوكول باريس، وفتح مسارات جديدة لاقتطاعها ومصادرتها.ويوضح حرب أن أحد الأهداف الرئيسة لهذه السياسة يتمثل في دفع السلطة الفلسطينية نحو حالة من الإنهاك والعجز الذاتي، من خلال تقليص قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه المواطنين، لافتاً إلى أن أموال المقاصة تشكل ما يقارب ثلثي إيرادات السلطة الفلسطينية، ما يجعل أي اقتطاعات إضافية ذات تأثير مباشر على قدرتها مستقبلاً في تقديم الخدمات العامة ودفع الرواتب وتسيير عمل المؤسسات الحكومية.تحميل السلطة المسؤوليةويشير حرب إلى أن إسرائيل تسعى كذلك إلى تحميل السلطة الفلسطينية مسؤولية أي عمليات ينفذها فلسطينيون ضد المستوطنين أو الجنود الإسرائيليين، عبر فرض أعباء مالية متزايدة عليها، بما يهدف إلى دفعها لممارسة مزيد من الضغوط على المجتمع الفلسطيني ومنع أي أعمال مقاومة للاحتلال، بغض النظر عن طبيعتها أو أشكالها.ويؤكد أن هذه السياسات تشكل جزءاً من استراتيجية أوسع لاستنزاف القدرات المالية الفلسطينية، سواء على مستوى السلطة أو المجتمع، من خلال السيطرة شبه الكاملة على الموارد المالية الفلسطينية وتعميق الأزمة الاقتصادية القائمة.ويلفت حرب إلى أن هذا النهج ليس جديداً، إذ بدأت ملامحه بشكل واضح منذ عام 2019 مع اقتطاع مبالغ مرتبطة بمخصصات الأسرى وعائلات الشهداء، قبل أن تتوسع الاقتطاعات بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لتشمل الأموال المخصصة لقطاع غزة ضمن الموازنة الفلسطينية.ويبيّن حرب أن الاقتطاعات لم تعد تقتصر على القرارات الحكومية الإسرائيلية، بل امتدت أيضاً إلى قرارات قضائية تسمح بتحويل أموال فلسطينية كتعويضات للإسرائيليين المتضررين من العمليات.ويشدد حرب على أن الخطوة الجديدة تعكس توجهاً إسرائيلياً لتحميل السلطة الفلسطينية أعباء التعويضات الاجتماعية التي تتحملها إسرائيل لمواطنيها المصابين أو الذين أصيبوا بإعاقات نتيجة تلك العمليات، ما يفتح الباب أمام مزيد من الاقتطاعات ويكرس السيطرة الإسرائيلية على أموال المقاصة الفلسطينية ويعمق الأزمة المالية التي تواجهها السلطة.تأثيرات عميقةيعتبر الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبو غوش أن قرار الكنيست الإسرائيلي المتعلق باقتطاع مزيد من أموال المقاصة لتعويض ما تسميه إسرائيل تعويض متضرري العمليات، يعكس استمرار الحكومة الإسرائيلية الحالية، ذات التوجهات اليمينية المتطرفة، في تبني سياسات مالية وسياسية تستهدف إضعاف السلطة الفلسطينية ودفعها نحو مزيد من الأزمات المالية، وصولاً إلى تهديد قدرتها على الاستمرار والقيام بمهامها الأساسية.ويوضح أن أموال المقاصة تمثل نحو 68% من إيرادات السلطة الفلسطينية، ما يجعل أي اقتطاعات جديدة ذات تأثير مباشر وعميق على الوضع المالي الفلسطيني في حال كانت هناك انفراجة لأزمة أموال المقاصة المحتجزة.ويرى أبو غوش أن مجمل الإجراءات الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، تشير إلى وجود مسار متدرج نحو تجفيف هذه الإيرادات أو تقليصها إلى أدنى حد ممكن، من خلال أدوات متعددة، من بينها الاقتطاعات المباشرة والقضايا المرفوعة ضد السلطة الفلسطينية والتي تُستخدم لتبرير حجز مزيد من الأموال.أبعاد سياسية إسرائيلية داخليةويلفت أبو غوش إلى أن للقرار أبعاداً سياسية داخلية في إسرائيل أيضاً، إذ قد يرتبط بالمنافسة بين مكونات اليمين الإسرائيلي والسعي إلى كسب مزيد من التأييد الانتخابي عبر تبني مواقف أكثر تشدداً تجاه الفلسطينيين.ويوضح أبو غوش أن بعض الأحزاب والقوى المشاركة في الائتلاف الحاكم أعلنت سابقاً معارضتها لاتفاق أوسلو وأبدت رغبتها في إنهاء دور السلطة الفلسطينية أو تقليص وجودها.وفي ما يتعلق بالتداعيات الاقتصادية إثر القرار الجديد، يؤكد أبو غوش أن الأزمة المالية الفلسطينية بلغت مستويات غير مسبوقة بعد أكثر من عامين ونصف من الاقتطاعات المتواصلة واحتجاز أجزاء واسعة من أموال المقاصة، الأمر الذي أجبر السلطة على الاعتماد بصورة شبه كاملة على الإيرادات المحلية.تأثير على القطاعات الحيويةويوضح أبو غوش أن هذا الواقع ألقى بظلاله على قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم، اللذان يواجهان ضغوطاً مالية متزايدة ومخاطر حقيقية على استمرارية الخدمات المقدمة فيهما، مشيراً إلى أن الدين العام الفلسطيني تجاوز 15 مليار دولار، بما يعادل نحو 48 مليار شيكل، في وقت استنفدت فيه السلطة إلى حد كبير أدوات التمويل والاقتراض المحلية.ويحذر أبو غوش من أن استمرار الاقتطاعات واحتجاز أموال المقاصة قد يؤدي خلال الأشهر المقبلة إلى عجز السلطة عن الإيفاء بالتزاماتها، سواء تجاه الموظفين أو على صعيد النفقات التشغيلية اللازمة لاستمرار الخدمات الأساسية.ويقدر أبو غوش أن هناك احتمالاً بأن تقدم إسرائيل مستقبلاً على الإفراج عن جزء محدود من أموال المقاصة المحتجزة، لكن بعد تثبيت الاقتطاعات الجديدة وتحويلها إلى أمر واقع، بما يكرس استمرار السيطرة الإسرائيلية على جزء متزايد من الإيرادات الفلسطينية.استراتيجية إسرائيلية أوسعيحذر الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب من التداعيات السياسية والاقتصادية المتفاقمة للمصادقة الجديدة للكنيست الإسرائيلي على اقتطاع مئات ملايين الشواكل سنوياً من أموال المقاصة الفلسطينية، معتبراً أن الخطوة تتجاوز كونها إجراءً مالياً أو عقابياً مرتبطاً بظروف أمنية وسياسية، لتشكل جزءاً من استراتيجية إسرائيلية أوسع تستهدف إعادة صياغة العلاقة مع الفلسطينيين وفرض واقع اقتصادي وسياسي جديد.رسائل سياسية واقتصادية عميقةويوضح الرجوب أن القرار القاضي باقتطاع مبالغ تعادل قيمة الأضرار التي تدعي إسرائيل أنها نجمت عن عمليات نفذها فلسطينيون ضد مستوطنين وإسرائيليين، وتحويل هذه الأموال إلى المتضررين ثم إلى الخزينة الإسرائيلية، يحمل رسائل سياسية واقتصادية عميقة تتجاوز قيمته المالية المباشرة.ويؤكد الرجوب أن إسرائيل انتقلت من استخدام أموال المقاصة كورقة ضغط ظرفية إلى محاولة تحويل الاقتطاعات إلى آلية دائمة ومؤسسية تستند إلى تشريعات وقوانين داخلية تمنحها غطاءً قانونياً لمواصلة احتجاز الأموال والتصرف بها وفق أولوياتها السياسية والأمنية.ويشير الرجوب إلى أن أخطر ما في القرار أنه يكرس مفهوم "العقاب الجماعي المالي"، إذ لا تتحمل تبعاته جهات أو أفراد بعينهم، بل ينعكس على مجمل المجتمع الفلسطيني، من الموظفين والمتقاعدين إلى العاملين في مختلف القطاعات، ما يؤدي إلى نقل الصراع من مستواه السياسي والأمني إلى المستوى المعيشي اليومي للمواطنين.إعادة تعريف العلاقة الاقتصادية مع السلطةويبيّن الرجوب أن هذه السياسة تسعى أيضاً إلى إعادة تعريف العلاقة الاقتصادية مع السلطة الفلسطينية بطريقة تفرغ أي حديث عن الاستقلال المالي من مضمونه، موضحاً أن اعتماد السلطة بشكل كبير على أموال المقاصة يجعل التحكم الإسرائيلي بالإيرادات الفلسطينية أداة سيطرة سياسية أكثر تأثيراً من العديد من أدوات الضغط الأخرى.ويرى أن القرار يندرج ضمن سياسة أوسع تستهدف إضعاف السلطة الفلسطينية وتقليص قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، مشيراً إلى أن تعميق الأزمة المالية سيؤدي إلى زيادة العجز في الموازنة العامة، ويضع الحكومة أمام خيارات صعبة تشمل توسيع الاقتراض، أو خفض النفقات، أو الاستمرار في صرف الرواتب بشكل منقوص وتأجيل الالتزامات المالية المستحقة للقطاع الخاص والمؤسسات المختلفة.ويعتقد الرجوب أن أول انعكاسات الاقتطاعات ستظهر على رواتب الموظفين العموميين، الأمر الذي سيؤثر بصورة مباشرة على القوة الشرائية للمواطنين وعلى الحركة الاقتصادية في الأسواق المحلية، نظراً للدور المحوري الذي تمثله الرواتب الحكومية في تحريك الدورة الاقتصادية الفلسطينية.تقليص الموارد المخصصة لقطاعات حيويةويشير الرجوب إلى أن استمرار الاقتطاعات سيؤدي كذلك إلى تقليص الموارد المخصصة لقطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية والخدمات الاجتماعية، ما ينعكس على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين ويؤدي إلى تآكل تدريجي في قدرة المؤسسات العامة على أداء مهامها.ويلفت إلى أن التداعيات الاجتماعية للأزمة قد تكون الأكثر خطورة، من خلال زيادة معدلات الفقر والبطالة واتساع دائرة الاحتياجات الاجتماعية وتعميق الشعور بالإحباط وعدم اليقين تجاه المستقبل.ويحذر الرجوب من أن تراجع قدرة المؤسسات الرسمية على الوفاء بالتزاماتها قد يؤدي إلى تآكل الثقة بها وإضعاف الاستقرار المؤسسي.معادلة جديدة في التعامل مع أموال المقاصةويوضح الرجوب أن الاقتطاع الجديد يكتسب خطورته من كونه يؤسس لمعادلة جديدة في التعامل مع أموال المقاصة المحتجزة أصلاً، بحيث تصبح هذه الأموال أداة دائمة للضغط والابتزاز السياسي، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات مستقبلية بشأن الإفراج عنها، معتبراً أن إسرائيل تسعى إلى إبقاء الاقتصاد الفلسطيني رهينة لقراراتها، ومنع الفلسطينيين من امتلاك الحد الأدنى من الاستقلال المالي والاستقرار الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.آثار على الاستقرار المالي والاجتماعي الفلسطينيتحذر الصحفية المختصة بالشأن الاقتصادي حسناء الرنتيسي من التداعيات السياسية والاقتصادية المتصاعدة للقرار الإسرائيلي باقتطاع المزيد من أموال المقاصة، معتبرة أن خطورته لا تكمن فقط في حجم المبالغ المقتطعة، بل في الدلالات السياسية التي يحملها وفي الآثار بعيدة المدى التي يتركها على الاستقرار المالي والاجتماعي الفلسطيني.وتوضح الرنتيسي أن إسرائيل تتعامل مع ملف المقاصة باعتباره أداة ضغط وعقاب سياسي، من خلال تحميل الخزينة الفلسطينية كلفة ما تصفه بالأضرار الناجمة عن عمليات المقاومة، الأمر الذي يحوّل أموال الضرائب الفلسطينية من حق مالي مستحق إلى صندوق مفتوح لتعويض الإسرائيليين وتمويل التزامات تقررها الحكومة الإسرائيلية بصورة أحادية.استنزاف المقاصة تدريجياًوترى الرنتيسي أن هذه السياسة تفتح الطريق عملياً أمام استنزاف المقاصة تدريجياً وصولاً إلى تصفيرها، بما يخلق ضغوطاً اقتصادية واجتماعية متزايدة يصعب احتواؤها.وتشير الرنتيسي إلى أن أموال المقاصة تمثل أكثر من ثلثي إيرادات السلطة الفلسطينية، وتقترب قيمتها من إجمالي فاتورة الرواتب والأجور في القطاع العام، ما يجعل أي اقتطاعات جديدة ذات انعكاسات مباشرة على حياة المواطنين في المستقبل.وتبين الرنتيسي أن الأمر لا يقتصر على كونه رقماً مالياً في الموازنة، بل ينعكس على دخل آلاف الأسر الفلسطينية، ويؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية وانكماش الأسواق وتراجع مستوى الخدمات الأساسية، خاصة في قطاعي الصحة والتعليم.نحو جعل سقف الاقتطاعات مفتوحاًوتؤكد الرنتيسي أن من أخطر ما يحمله القرار الجديد هو جعل سقف الاقتطاعات مفتوحاً وقابلاً للزيادة سنوياً وفق تقديرات وقرارات إسرائيلية داخلية لا يملك الفلسطينيون أي قدرة على مراجعتها أو الاعتراض عليها، خصوصاً بعد إدخال بنود جديدة تشمل تعويضات ضريبة الأملاك وتعويضات المصابين وعائلات القتلى الإسرائيليين.وتشير الرنتيسي إلى أن تداعيات هذه السياسات باتت واضحة في ملف الرواتب، إذ تعيش السلطة الفلسطينية منذ عام 2023، حالة من صرف الرواتب المنقوصة، ما أثر بشكل مباشر على الموظفين وعلى الحركة الاقتصادية. وتوضح الرنتيسي أن الراتب الحكومي يشكل أحد أهم محركات الدورة الاقتصادية الفلسطينية، وأن أي تراجع فيه ينعكس على الاستهلاك ومبيعات التجار وقدرة الأسر على الوفاء بالتزاماتها المالية، كما يزيد الضغوط على القطاع المصرفي.الأزمة تطال أبعد من الرواتبوتلفت الرنتيسي إلى أن الأزمة بسبب احتجاز أموال المقاصة تمتد إلى ما هو أبعد من الرواتب، إذ تؤثر على الخدمات الصحية والتعليمية والبنية الخدماتية، وتؤدي إلى تراكم الديون بين الحكومة والقطاع الخاص والمواطنين، ما يخلق سلسلة متواصلة من الأزمات الاقتصادية.وتؤكد الرنتيسي أن الخطر الأعمق يتمثل في تراجع القدرة على التخطيط المالي نتيجة ربط الاقتطاعات بتقديرات إسرائيلية متغيرة، الأمر الذي يحول إدارة المالية العامة إلى عملية "نجاة شهرية" بدلاً من التخطيط للتنمية والاستثمار، ويعمق أزمة الثقة بين المواطن والحكومة، مع تزايد شعور المواطنين بأنهم يلتزمون بواجباتهم المالية في وقت تعجز فيه الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها الأساسية، ما يهدد بتراكم ضغوط اجتماعية واقتصادية متزايدة خلال المرحلة المقبلة.مأسسة وشرعنة القرصنة الماليةيعتبر الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن مصادقة الكنيست الإسرائيلي على اقتطاعات جديدة من أموال المقاصة لتعويض ما تسميهم متضرري العمليات التي ينفذها فلسطينيون، تمثل انتقالاً من الإجراءات الفردية والمؤقتة إلى مرحلة "المأسسة والشرعنة" لحالة القرصنة المالية التي مارستها الحكومات الإسرائيلية خلال السنوات الماضية، ولا سيما عبر قرارات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش المتعلقة بحجز واقتطاع الأموال الفلسطينية.ويوضح بشارات أن القرار يؤسس لعملية ممنهجة تستهدف المورد المالي الرئيسي للسلطة الفلسطينية والمتمثل في أموال المقاصة، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تتعارض بصورة مباشرة مع بروتوكول باريس الاقتصادي والاتفاقيات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، والتي تنص على قيام إسرائيل بجباية الضرائب وتحويلها إلى الجانب الفلسطيني مقابل رسوم محددة تتعلق بعملية التحصيل، وليس التصرف بهذه الأموال أو اقتطاعها لأغراض سياسية وأمنية.تقويض البنية الفلسطينية بأكملهاويرى بشارات أن المسألة تتجاوز إطار الضغط المالي أو الابتزاز السياسي التقليدي، لتندرج ضمن سياسة أشمل تستهدف تقويض البنية الفلسطينية بأكملها.وبحسب بشارات، فإن الاقتصاد يشكل العمود الفقري للمجتمع الفلسطيني، وإن استهدافه بصورة متواصلة يهدف إلى إضعاف قدرة الفلسطينيين على الصمود والاستمرار، وتحويل المجتمع إلى بنية هشة تعاني من أزمات متراكمة تجعلها أقل قدرة على مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية.ويؤكد أن هذه السياسات تندرج ضمن مساعٍ إسرائيلية لإحداث حالة من الانهيار المنظم داخل المجتمع الفلسطيني، بما يفتح المجال أمام زيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي قد تدفع أعداداً من الفلسطينيين إلى البحث عن فرص للهجرة أو المغادرة نتيجة تراجع مقومات الحياة والاستقرار الاقتصادي.ويوضح بشارات أن الاستهداف لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى البنية المؤسسية الفلسطينية، إذ تؤدي الاقتطاعات المتواصلة إلى إضعاف مؤسسات السلطة الفلسطينية وتقليص قدرتها على العمل وتقديم الخدمات، بما يعرقل بناء مؤسسات مستقرة وقادرة على أداء وظائفها وفق النظام السياسي والإداري الفلسطيني.تعميق الأزمة الاقتصادية المتفاقمةوفي ما يتعلق بالانعكاسات المالية، يحذر بشارات من أن القرار سيعمق الأزمة الاقتصادية المتفاقمة أصلاً، في ظل واقع مالي صعب تعيشه السلطة الفلسطينية منذ سنوات.ويشير إلى أن استمرار اقتطاع أموال المقاصة سيزيد من هشاشة الاقتصاد الفلسطيني ويحد من قدرته على إدارة متطلبات الحياة اليومية، فضلاً عن تأثيره المباشر على القطاعات الحيوية.ويلفت بشارات إلى أن مؤشرات التراجع بدأت تظهر بوضوح في قطاعات أساسية مثل التعليم والصحة، التي تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة نقص الموارد المالية، محذراً من أن استمرار هذه السياسات قد يدفع تلك القطاعات إلى مستويات أكثر خطورة من التراجع، وصولاً إلى حالة من الانهيار التدريجي.ويؤكد بشارات أن إسرائيل، من خلال مواصلة اقتطاع واحتجاز أموال المقاصة، تسعى إلى إدامة حالة الضعف الاقتصادي والمؤسسي الفلسطيني، ودفع الفلسطينيين بمختلف مكوناتهم نحو أزمة شاملة تمس الاقتصاد والخدمات العامة والبنية المجتمعية، في إطار سياسة تستهدف إحداث حالة من الانهيار المنظم والمتواصل للواقع الفلسطيني.

أزمة المقاصة.. استراتيجية إسرائيلية لتقويض السلطة وفرض واقع جديد

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)