غزة – "يموت الإنسان مرتين؛ مرة حين يغادر بيته نازحًا، ومرة حين يكتشف أن تاريخه كله صار رمادًا". بهذه العبارة المكثفة والموجعة، افتتح رجل الأعمال والناشط السياسي فايز أبو عكر شهادته ضمن كتاب "شهادات النازحين: حكايات لم تكتمل"، مستعيدًا واحدة من أكثر التجارب قسوة التي عاشها الفلسطينيون في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب.
يروي أبو عكر كيف تحولت لحظة الخروج من البيت إلى جرح دائم، موضحًا أن مأساة النزوح لا تكمن فقط في مغادرة الإنسان منزله، بل في أن يبقى البيت حيًا داخله، يطارده في يقظته ومنامه، حتى وهو يهرب تحت القصف بحثًا عن نجاة مؤقتة. فالمنازل التي غادرها أصحابها على أمل العودة، تحولت في كثير من الأحيان إلى ركام، فيما بقيت الذكريات معلقة في القلوب، عصية على الغياب.
وفي شهادة أخرى، تسرد أريج صلاح، وهي أرملة وأم تواجه النزوح بخمسة أطفال أيتام، كيف تتحول الأم خلال الحروب إلى خط الدفاع الأخير عن أطفالها. وتقول للجزيرة نت: إن "ضيق المكان بالنازحين وتحول البيوت إلى ذكرى بعيدة، جعلها تدرك أن القوة الحقيقية لا تكمن في الجدران التي كانت تحتمي بها، بل في قدرتها على الاستمرار والصمود من أجل أطفالها مهما اشتدت الظروف".
وتضيف: "الحرب لا تسلب الإنسان منزله وممتلكاته فقط، بل تدفع الأمهات إلى خوض معركة يومية أكثر قسوة؛ معركة حماية أطفالهن من الجوع والخوف والتشرد، ومحاولة الحفاظ على شعورهم بالأمان وسط واقع ينهار من حولهم. ففي رحلة النزوح، تصبح الأم مصدرًا للقوة النفسية لعائلتها، تخفي خوفها وتكتم ألمها، بينما تحاول أن تمنح أبناءها قدرًا من الطمأنينة في عالم أثقلته الحرب والفقد".
أما ندى جابر، النازحة من بيت حانون، والتي تنقلت بين عدة مناطق نزوح قبل أن تستقر في مخيم النخيل بمواصي خان يونس، فتختصر معاناة النازحين بقولها إن "الإنسان في النزوح لا يفقد بيته فقط، بل يفقد إيقاع حياته بالكامل، حتى تصبح أبسط التفاصيل اليومية كرغيف الخبز، وجرعة الماء، وخيمة لا تقتلعها الرياح أحلامًا كبيرة في حياة أنهكتها الحرب والتشرد".
وتوضح جابر للجزيرة نت أن مشاركتها في الكتاب لم تكن مجرد سرد لتجربة نزوح، بل محاولة لتوثيق وجعها الشخصي ووجع أسرتها، وتسجيل تفاصيل الفقد التي تسللت إلى حياتهم يومًا بعد يوم. وتضيف: "تحدثت عن البيت الذي غادرناه تحت الخوف، وعن الأحلام التي توقفت فجأة، وعن الذكريات التي تركناها معلقة بين الجدران والركام".
💬 التعليقات (0)