في منتصف تسعينيات القرن الماضي، كانت رواندا تواجه تحدياً وجودياً يتمثل في البقاء كدولة موحدة، بعد أن تحولت إلى أكوام من الركام والدمار نتيجة إبادة جماعية حصدت أرواح قرابة مليون إنسان في مئة يوم فقط. اليوم، وبعد مرور ثلاثة عقود، تذهل هذه الدولة الأفريقية الحبيسة العالم بتربعها على عرش أسرع الاقتصادات نمواً في القارة السمراء، متحولة إلى واحة للتكنولوجيا وجذب الاستثمارات الدولية.
بدأت فصول المأساة في السادس من نيسان/ أبريل 1994، حين انطلقت شرارة واحدة من أبشع الحروب الأهلية في التاريخ الحديث إثر سقوط طائرة الرئيس آنذاك جوفينال هابياريمانا. هذا الحادث كان بمثابة الصاعق الذي فجر بركان غضب مكبوت، غذته عقود من الشحن العرقي الممنهج ضد أقلية التوتسي، مما حول الشوارع إلى ساحات إعدام مفتوحة تحت إشراف ميليشيات متطرفة.
وفقاً لتقارير دولية، فإن حملات التطهير العرقي لم تقتصر على المواجهات العسكرية، بل تغلغلت في النسيج المجتمعي حيث تحول الجار إلى قاتل لجاره باستخدام الأسلحة البيضاء والمناجل. وتشير أرقام الأمم المتحدة إلى مقتل نحو 800 ألف شخص، وتعرض مئات الآلاف من النساء للاغتصاب، في محاولة من النظام المتطرف آنذاك للقضاء التام على الخصوم العرقيين.
انتهت هذه الحقبة الدموية في يوليو 1994، حين تمكنت الجبهة الوطنية الرواندية بقيادة العسكري الشاب بول كاغامي من إحكام السيطرة على العاصمة كيغالي. وجد كاغامي نفسه أمام وطن محطم تماماً؛ بنية تحتية مدمرة، خزائن خاوية، ومجتمع ممزق تنهشه الرغبة في الانتقام، مما فرض عليه مهمة شبه مستحيلة لإعادة بناء الدولة من الصفر.
اعتمد كاغامي، الذي تولى الرئاسة رسمياً عام 2000، استراتيجية تقوم على المصالحة الوطنية الصارمة بالتوازي مع نهضة اقتصادية حازمة. كانت الخطوة الأولى هي إلغاء الهوية العرقية من الأوراق الرسمية وتجريم الخطاب العنصري، ليكون الانتماء الوحيد هو 'أنا رواندي'، وهو ما مهد الطريق للاستقرار الاجتماعي اللازم للبناء الاقتصادي.
طرحت القيادة الرواندية رؤية طموحة عُرفت بـ 'رؤية 2020'، هدفت لتحويل البلاد من الاعتماد على المساعدات إلى اقتصاد معرفي متوسط الدخل. هذه الرؤية تطورت لاحقاً إلى 'رؤية 2050' التي تطمح للوصول برواندا إلى مصاف الدول ذات الدخل المرتفع، مع التركيز على الابتكار وتحديث القطاعات الإنتاجية.
💬 التعليقات (0)