في عام 1865، انطلقت سفينة عثمانية من إسطنبول متجهة نحو البصرة، وعلى متنها الإمام الدمشقي عبد الرحمن بن عبد الله البغدادي. إلا أن تقلبات الرياح العاتية غيرت مسار الرحلة تماماً، لتجد السفينة نفسها ترسو على شواطئ البرازيل، في مصادفة تاريخية جعلت من البغدادي شاهداً فريداً على عالم لم يكن معروفاً للسوريين آنذاك. أمضى الإمام أكثر من ثلاث سنوات في مدن مثل ريو دي جانيرو وباهيا، حيث وثق مشاهداته في كتابه الشهير 'مسلية الغريب في كل أمر عجيب'.
خلال إقامته، لفت مظهر الإمام بزيّه الشرقي وعمامته أنظار السكان، وخاصة الرجال من أصول أفريقية الذين اكتشف البغدادي أنهم ينحدرون من أسر مسلمة جرى استعبادها واقتلاعها من أفريقيا. فوجئ الإمام بأن هؤلاء لا يزالون يحتفظون بذاكرة إسلامية غامضة رغم فقدانهم للمعرفة الدينية الدقيقة عبر الأجيال. وبدلاً من العودة سريعاً، قرر البقاء لتعليمهم وإحياء شعائر الدين بينهم، ليصبح أول داعية إسلامي يوثق أحوال 'ثورة الماليين' وإرث المسلمين في أمريكا الجنوبية.
تزامن وجود البغدادي مع مرحلة تاريخية حساسة في البرازيل، حيث كانت البلاد أكبر مستورد للعبيد في التاريخ الحديث بنحو 4 ملايين أفريقي. وقد ساهم هؤلاء المستعبدون في بناء الثروة البرازيلية عبر العمل في مزارع السكر والبن والمناجم، كما تركوا بصمة ثقافية عميقة تجلت في فنون السامبا. ورغم الظروف القاسية، لاحظ الإمام تمسك بعضهم بهويته الأصلية، وهو ما جعل شهادته تكتسب قيمة أنثروبولوجية وتاريخية كبرى في فهم نسيج المجتمع البرازيلي القديم.
من المفارقات اللافتة في مذكرات البغدادي هو 'الصمت النسبي' تجاه القهوة، رغم أن البرازيل كانت حينها المصدر الأول لها عالمياً. ويرجع الباحثون هذا التجاهل إلى تأثر الإمام بالأفكار الإصلاحية للشدياق، الذي كان ينظر للمقاهي في إسطنبول ودمشق كفضاءات للكسل والبطالة. فبدلاً من التركيز على المنتج الاقتصادي الأبرز، انصب اهتمام البغدادي على القضايا الأخلاقية والاجتماعية، محاولاً نقل صورة إصلاحية تتوافق مع تطلعات النهضة العثمانية في ذلك الوقت.
تعد رحلة 'كولومبوس السوري' إرهاصاً مبكراً لمسار تاريخي أوسع، حيث بدأت بعد عودته بنحو ثلاثة عقود تدفقات المهاجرين من سوريا ولبنان وفلسطين إلى أمريكا الجنوبية. لقد خرج البغدادي من دمشق المثقلة بجراح أحداث 1860 الطائفية، ليجد في البرازيل مجتمعاً يصارع لتجاوز إرث العبودية. وبذلك، يظل كتابه واحداً من أندر الوثائق العربية التي ربطت بين الشرق العربي والعالم الجديد قبل تشكل الجاليات العربية الكبرى في ساو باولو وريو دي جانيرو.
💬 التعليقات (0)