إذا اغتنت الكنيسة فقدت روحها، وإن افتقرت استعادت إشراقها وجاذبيتها. ربما ارتقت هذه المشاهدة، في سياق تاريخي، إلى مصاف الحقيقة. ليس من مصلحة الكنيسة أن تصير إلى إمبراطورية، كما هو الحال مع الكنيسة الألمانية. على العكس من ذلك، ربما امتلكت رشاقة أكثر وأمكنها مشاهدة العالم بوضوح والحديث إليه فيما لو تخففت من أحماله وديونه. سنحاول فحص هذه الفرضية من واقع ما يجري لكنيستين متجاورتين، إحداهما فقيرة، الفرنسية، والأخرى الألمانية واسعة الثراء.
في العام الماضي، 2025، عمّد حوالي 14 ألف بالغ و8 آلاف يافع داخل الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية. تشهد الكاثوليكية الفرنسية انتعاشا نسبيا في بلد تضرب اللائكية الصلبة في كل تفاصيله. في الجوار، ألمانيا، تهوي الكنيسة الكاثوليكية، بل تتصحر. في العام الماضي غادرها حوالي 300 ألف عضو في ألمانيا.
وفقا للبيانات التي نشرتها "مجموعة البحث في الفلسفات العالمية في ألمانيا "FOWID" في العام الماضي فقد هبط عدد أعضاء الكنيستين الألمانيتين "الكاثوليكية والبروتستانتية" لأول مرة في التاريخ إلى ما دون 50%، أي "45%".
البيانات نفسها تقول إن 47% من الألمان لا ينتمون إلى أي من الطائفتين الدينيتين. نسبة كثيرة منهم باتت تمارس طقوسا روحية خارج رؤية الكنيسة للخالق والكون. على الأقل 20% منهم يمارسون اليوغا؛ بغية التحرر من ضغوط الحياة، وهي المهمة التي كانت ملقاة على عاتق الطقوس الدينية.
أعادت مجموعة البحث التذكير بما كانت عليه المسيحية الألمانية في العام 1871، عام تأسيس الإمبراطورية الألمانية، حيث كان ما يداني 98% من الشعب يعرف نفسه بوصفه مسيحيا. خلال قرن ونصف، عامر بالحروب والصراعات والتحولات الجذرية، ارتفعت نسبة اللادينيين الألمان من 1% إلى 47%.
من المتوقع أن تتزايد هذه النسبة خلال السنوات القادمة، إذ تقول البيانات إن 7% فقط من الألمان بين 18-29 عاما يرون الكنيسة شيئا مهما في حياتهم. لا يعكس هذا الانقلاب الصورة العالمية للدين، فالكنيسة الكاثوليكية تشهد انتعاشا في العالم بشكل عام، وفي أفريقيا على نحو خاص. إذ باتت أفريقيا مكانا لربع كاثوليكيي العالم، ومن المتوقع أن ينتقل مركز الثقل الكاثوليكي إليها قريبا. كما لو أن النزيف أصاب الكاثوليكية الألمانية دون سواها، وليس ذلك بلا أسباب.
💬 التعليقات (0)