السياق العام للسلوك الإسرائيلي حيال المقدسات الإسلامية في القدس، والمسجد الأقصى على وجه التحديد، كان يشي في السنتين الأخيرتين، بأن الحكومة الأكثر يمينية وتطرفا في تاريخ دولة الاحتلال، تسعى بشكل جدي وحثيث، لتغيير "الوضع القائم" في الحرم القدسي الشريف، والانقلاب على الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
بعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول لعام 2023، والتي عرفت باسم "طوفان الأقصى"، عمدت حكومة نتنياهو إلى إغلاق المسجد في وجه المصلين لأشهر طويلة، واستغلت الحرب على غزة، لفرض وقائع جديدة في الحرم القدسي، ومنح قطعان المستوطنين بمشاركة مباشرة من وزراء الحكومة، حق اقتحام الحرم متى أرادوا وأداء الصلوات التلمودية في ساحاته. في حين تواصل فرق إسرائيلية أعمال الحفر تحت المسجد وبالقرب من أسواره، في إطار مشروع صهيوني قديم، لإحياء هيكل سليمان المزعوم، على أنقاض المسجد الأقصى.
تمثل الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية، السياج القانوني والتاريخي الذي يحمي الحرم القدسي الشريف بمساحته المحددة بـ144 دونما من التهويد. وتوفر هذه الوصاية الإطار اللازم لإدارته عبر دائرة الأوقاف الأردنية، ورعايته منذ قرابة قرن من الزمان، يوم طلب أعيان ووجهاء القدس من الشريف حسين بن علي شمول المسجد الأقصى والحرم القدسي برعايته. وفي الفترة بين حرب 1948 واحتلال القدس، كانت هناك إدارة أردنية كاملة للموقع الديني. وبعد سقوط القدس الشرقية استمرت هذه الإدارة.
في معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية التي وقعت عام 1994، نصت المادة التاسعة، على أن تحترم إسرائيل" الدور الخاص الراهن للمملكة الأردنية الهاشمية في المقدسات الإسلامية في القدس". وأن دولة الاحتلال "عند مفاوضات الوضع النهائي ستولي أولوية عالية للدور التاريخي الأردني في هذه المقدسات".
لم يكتف الأردن بهذا النص، إنما سعى لتسليحه بقرارات من مجلس الأمن، وإقرار من أغلبية الدول في العالم بهذا الدور. إلى جانب تفويض نادر من الفاتيكان بشمول المقدسات المسيحية بالوصاية الهاشمية.
وبمنطق القانون الدولي فإن ما ينطبق على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ومن ضمنها القدس الشرقية، ينطبق بشكل بديهي على الحرم القدسي الشريف ورمزه، المسجد الأقصى، إذ استقر الاجتهاد القانوني على قاعدة ثابتة، تفيد بأن الاحتلال لا ينشئ سيادة، وأن اكتساب الأراضي بالقوة محظور حظرا قاطعا، وأن السيطرة الفعلية لا تمنح الدولة المحتلة حق التصرف فيه. وتُرجم هذا القول بقرارات لمجلس الأمن الدولي ومحكمة العدل الدولية، ببطلان وعدم مشروعية أي إجراءات تتخذها قوات الاحتلال في مدينة القدس الشرقية.
💬 التعليقات (0)