في غزة ، بعد عامين ونصف من حرب لم تُبقِ على شيء كما كان، لم يعد التعليم مجرد قطاعٍ متضرر، بل أصبح مرآةً لانكسار مجتمعٍ بأكمله، ومحاولة يومية لالتقاط ما تبقى من معنى للحياة. الأرقام التي نراها اليوم ليست إحصاءات عابرة، بل شواهد على جيل يقف على حافة الضياع، يحاول أن يتعلم وسط الركام، وأن يفهم العالم بينما عالمه ينهار أخلاقياً وقانونياً وانسانياً.
تشير المعطيات إلى أن أكثر من 87 ألف طالب جامعي تأثروا بشكل مباشر، وهو رقم يعكس تعطل المسارات الأكاديمية لجيلٍ كان يفترض أن يكون في مرحلة البناء والإنتاج. هؤلاء ليسوا مجرد طلاب؛ إنهم أطباء المستقبل، ومهندسو الإعمار، والمعلمون الذين كان من المفترض أن يعيدوا بناء ما تهدّم. لكن الحرب سرقت منهم الوقت، وربما سرقت من بعضهم الحلم ذاته.
أما على مستوى البنية التحتية، فإن تضرر أكثر من 2300 منشأة تعليمية، وبلوغ نسبة المدارس المتضررة أكثر من 90%، يعني أن النظام التعليمي نفسه لم يعد قائماً بشكله التقليدي. المدرسة، التي كانت مساحة آمنة للتعلم والتفاعل، تحوّلت إلى ذكرى، أو إلى ملجأ، أو إلى كومة حجارة. وفي ظل غياب المكان، يصبح التعليم فكرة معلّقة في الهواء، بلا أرضٍ تستقر عليها.
الأخطر من ذلك، أن أكثر من 60% من الأطفال باتوا خارج التعليم الحضوري، وهو ما ي فتح الباب أمام فجوة تعليمية عميقة، قد تمتد آثارها لسنوات طويلة. فالتعليم ليس مجرد محتوى يُنقل، بل تجربة اجتماعية ونفسية متكاملة. غياب هذه التجربة يعني خسارة مهارات التواصل، والانضباط، والانتماء، وهي عناصر لا يمكن تعويضها بسهولة عبر البدائل المؤقتة.
لكن الوجه الأكثر إيلاماً في هذه الأزمة يظهر في الأرقام المرتبطة بالأطفال؛ إذ إن أكثر من 335 ألف طفل معرضون لتأخر نمائي، فيما يحتاج نحو 764 ألف طفل إلى دعم تعليمي. هذه الأرقام لا تتحدث فقط عن فاقد تعليمي، بل عن أزمة نفسية ومعرفية مركبة. الطفل الذي يعيش الحرب لا يفقد فقط حقه في التعلم، بل يفقد أيضاً شعوره بالأمان، وتركيزه، وقدرته على الحلم.
وسط هذا المشهد، تبدو صورة الكتاب المفتوح بين الأنقاض وكأنها تلخص الحكاية كلها. المعرفة ما زالت موجودة، لكنها بلا حماية، بلا سياق، وبلا نظام يحتضنها. وكأن التعليم في غزة أصبح فعل مقاومة بحد ذاته؛ أن تفتح كتاباً، أن تشرح درساً، أن تحاول الفهم، هو شكل من أشكال التمسك بالحياة.
💬 التعليقات (0)