خلال المناظرة الرئاسية التي جرت بين دونالد ترمب وكامالا هاريس في سبتمبر/ أيلول عام 2024، قالت هاريس إن قادة العالم "يضحكون" على ترمب، فلم يجد ترمب حجة للردّ عليها سوى الاستشهاد بمديح رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان له ورد له المديح قائلا: "دعوني أقول فقط فيكتور أوربان، أحد أكثر الرجال احتراما، الموصوف بالرجل القوي. إنه شخص حازم وذكي".
لم يكن لجوء ترمب إلى رأي أوربان غريبا في أوساط اليمين الأمريكي، فقد تحول رئيس الوزراء المجري (الذي خسر الانتخابات مؤخرا بعد 16 عاما متواصلة في السلطة) وحزبه الحاكم إلى نموذج ملهم للحكم والسيطرة والتدمير الهيكلي لكل قواعد الديمقراطية الليبرالية، التي يسعى الرئيس الأمريكي إلى تقليدها حذو النعل بالنعل. لكن شجرة أوربان العملاقة تخفي غابة من النخب والحركات الشعبوية اليمينية في أوروبا الوسطى والشرقية، كانت حصيلة التحول الأيديولوجي للنخب ما بعد الشيوعية من تشكيلات اشتراكية أو ليبرالية ديمقراطية إلى شعبوية قومية استبدادية في بولندا وسلوفاكيا والتشيك.
"شجرة أوربان العملاقة تخفي غابة من النخب والحركات الشعبوية اليمينية في أوروبا الوسطى والشرقية"
وقد دُفع هذا التحول بعوامل اقتصادية وفكرية، مفرزا نوعا من "الديمقراطية غير الليبرالية" لم تكتف بكونها أيديولوجيا حاكمة في هذه البلدان، بل صارت تلقى صدى وانتشارا في جميع أنحاء أوروبا الغربية، فضلا عن تأثيرها الفكري والمؤسسي على اليمين الجديد الأمريكي، ولا سيما تيار ترمب. فهذه الظاهرة لا يمكن اختزالها إلى شعبوية انتهازية، بل تمثل مشروعا أيديولوجيا متماسكا، وإن كان متناقضا داخليا، أعاد تشكيل اليمين العالمي بشكل جذري.
عندما سقط جدار برلين عام 1989 كان الافتراض السائد بين منظري الليبرالية الغربية هو أن أوروبا الوسطى والشرقية ستشهد تحولا سلسا لا رجعة فيه نحو الرأسمالية الديمقراطية الليبرالية. وقد وفرت أطروحة فرانسيس فوكوياما "نهاية التاريخ" إطارا فكريا لهذا التفاؤل. كانت التحولات في المجر وبولندا وتشيكوسلوفاكيا وغيرها سلمية، ومبشرة لفترة من الزمن.
إلا أنه بعد 3 عقود، أصبحت المنطقة مركزا لنهضة قومية استبدادية عالمية، تُصدّر أساليب حكمها وأطرها الأيديولوجية إلى الديمقراطيات الغربية التي كان يُفترض بها أن تحذو حذوها. تكمن المفارقة الجوهرية في هذه القصة في أن مهندسي التراجع الديمقراطي في المنطقة لم يكونوا، في الغالب، شيوعيين يحنون إلى الماضي أو متطرفين هامشيين. بل كانوا أفرادا وأحزابا بدأوا، في كثير من الحالات، مسيرتهم السياسية كليبراليين أو معارضين مناهضين للشيوعية أو ديمقراطيين اجتماعيين، أي شخصيات متجذرة في المؤسسات التي أفرزتها التحولات الديمقراطية.
💬 التعليقات (0)