في قلب الدمار الذي يلف محافظات غزة بعد عامين ونصف من حرب الإبادة المستمرة، حيث تعانق رائحة البراميل المتفجرة غبار الأنقاض، يبرز مشهدٌ يتجاوز حدود الزمن. ليس الأمر مجرد حرب إبادة عابرة، بل هو استعادة حيّة ومريرة لقصة "درب الآلام" التي مشاها السيد المسيح قبل ألفي عام. في غزة اليوم، لا يُقرأ الإنجيل كنصٍ تاريخي قديم، بل يُعاش كواقعٍ يومي يجسده شعبٌ يحمل صليبه فوق ظهره ويمشي نحو مجهولٍ يترصده الموت في كل زاوية.
المسيح الذي يسكن الخيام: من منظور "لاهوت التحرير"، لا يبدو المسيح غريباً عن أزقة غزة. فهو الابن الذي ولد في "مذود" بسيط، واللاجئ الذي طارده الطغاة فهربت به أمه نحو مصر طلباً للنجاة. هذا التماهي الوجداني يجعل من كل نازح فلسطيني، يجرّ أذيال الخيبة والوجع تحت القصف، صورةً معاصرة للمسيح المطارد. إن "المسيح الفلسطيني" في وعي الناس ليس أيقونة صامتة في الكنائس، بل هو الرفيق الذي يسكن الخيام، ويجوع مع الجوعى، ويصرخ مع المظلومين في وجه إمبراطوريات العصر التي تبيح دمه.
محطات الألم.. وجوهٌ غزيّة: إذا كانت رحلة "الجلجلة" قد تألفت من محطات محددة، فإن غزة اليوم هي طريقٌ طويلٌ من الآلام التي لا تنتهي. يظهر"بيلاطس البنطي" اليوم في صورة المجتمع الدولي وقواه العظمى؛ تلك التي تشاهد "الصلب الجماعي" للشعب الفلسطيني، ثم تكتفي ببيانات القلق أو إرسال فتات المائدة، بينما تغسل يديها ببرود من دم الأبرياء.
أما "نساء أورشليم"، فنجدهن في أمهات غزة الصابرات، اللواتي يودعن أبناءهن بدموعٍ كبرياء. تلك الأم التي تحمل أشلاء طفلها في كيسٍ بلاستيكي، تعيد رسم لوحة "البييتا" (مريم التي تحتضن جسد المسيح) ولكن بوجعٍ يفوق طاقة البشر. صراخهن ليس مجرد نحيب، بل هو "فعل مقاومة" يرفض الموت ويطالب العالم باستعادة إنسانيته المفقودة.
الركام كفعل إيمان: في غزة، يكتسب "الركام" قدسيةً خاصة. إنه ليس مجرد حطامٍ لبيوتٍ هُدمت، بل هو "ذاكرة مصلوبة". تحت كل سقفٍ منهار، هناك قصة فداء. واللغة التي تصف الفلسطينيين بأوصافٍ تجردهم من بشريتهم، تتحطم أمام "لاهوت الركام" الذي يرى في كل إنسان تحت الأنقاض "صورة الله" التي لا تُقهر.
عندما يخرج الناجي من تحت الأنقاض مغبّراً بالتراب، فإنه لا يخرج مهزوماً، بل يخرج كشاهدٍ على "القيامة" المبكرة. إن إصرار الغزي على العودة إلى ركام بيته ونصب خيمته فوقه هو أسمى تجليات الإيمان بالانتصار على العدم.
💬 التعليقات (0)