في تلك الليلة، كانت الشوارع مكسوّة بالركام، والبيوت مفتوحة على العتمة، والوجوه ترتجف من الخوف والجوع معًا. داخل منزل نزحت إليه العائلة هربًا من القصف، جلست سجود أبو الخير (16 عامًا) تحتضن شقيقتها تقى (17 عامًا)، تحاول أن تمنع عنها صوت الانفجارات التي كانت تقترب أكثر فأكثر. لم تكن تعلم أن الساعات المقبلة ستسحب الشقيقتين من حضن البيت إلى زنازين الأسر.
مع ساعات الفجر الأولى من الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2023، اقتحمت قوات الاحتلال المنزل في حي الزيتون شرق غزة. تصرخ الأوامر بالعبرية، وتعلو أصوات الجنود بين الغرف الضيقة، فيما تجمّعت العائلة في زاوية تحاول النجاة.
هناك، أمام أعين الجميع، قُتل الجد رفيق أبو الخير، الرجل السبعيني المصاب بشلل نصفي الذي لم يكن يحمل سوى عمره المتعب وصلواته القديمة، حيث أطلق عليه جنود الاحتلال النار بدم بارد.
بعد دقائق من الفوضى، بدأ فصل الرجال عن النساء. كانت تقى ترتجف وهي تبحث بعينيها عن شقيقتها، بينما حاولت الجدة يسرى أن تضم الحفيدتين إلى صدرها. لكن الجنود دفعوا الجميع بعنف، واقتادوا سجود وتقى مع عشرات النساء إلى المجهول.
تقول تقى إن أكثر ما أرعبها لم يكن الاعتقال نفسه، بل الشعور بأنها قد تختفي دون أن يعرف أحد أين ذهبت. في الطريق إلى المعتقل، جرى تكديس المعتقلات داخل شاحنات مكشوفة وسط البرد، فيما كان الجنود يصرخون ويضربون الأسرى.
أما سجود فتتذكر اللحظة التي أخبرها فيها أحد الجنود بأن شقيقتها ربما قُتلت. تقول إن قلبها توقف في تلك اللحظة، قبل أن تراها لاحقًا داخل المعتقل، فتعانقتا طويلًا كأنهما تنجوان من الموت معًا.
💬 التعليقات (0)