أمد/ في لحظة تتكثف فيها التوترات داخل حلف شمال الأطلسي وتتعاظم الشكوك حول مستقبل الشراكة عبر الأطلسي لا يبدو قرار دونالد ترامب سحب قواته من ألمانيا مجرد إجراء عسكري عابر بل خطوة محمّلة برسائل ضغط تعيد تشكيل الناتو وتطرح التساؤلات حول الدور والالتزام في معادلة الأمن الأوروبي في الحاضر والمستقبل
واقعيا لم يكن قرار ترامب سحب آلاف الجنود الأمريكيين من ألمانيا خطوة عسكرية تقنية صرفة بقدر ما كان تحولا سياسيا ذا دلالات استراتيجية عميقة تعكس طبيعة المرحلة التي تمر بها العلاقات عبر الأطلسي في لحظة دولية مضطربة تتقاطع فيها الحرب على إيران مع استمرار المواجهة المفتوحة مع روسيا حيث يعود الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا إلى واجهة الجدل ليس بوصفه مجرد انتشار قوات عادي بل باعتباره تعبيرا كامنا عن توازنات القوة داخل حلف شمال الأطلسي وعن طبيعة الالتزامات المتبادلة بين ضفتي الأطلسي
القرار الانفعالي جاء في سياق توتر شبه يومي متصاعد بين واشنطن وبرلين بلغ ذروته مع تبادل التصريحات الحادة بين ترامب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس على خلفية الحرب ضد إيران والذي لم يبقي في حدود الخطاب السياسي بل سرعان ما تُرجم إلى خطوة عملية تمثلت في اسراع ترامب بتقليص الوجود العسكري الأمريكي في أكبر قاعدة ارتكاز له داخل أوروبا ما يعكس بوضوح أن السياسة الدفاعية الأمريكية لم تعد منفصلة عن الحسابات السياسية المتقلبة والمصالح الشخصية بل أصبحت أداة ضغط مباشرة لإعادة صياغة سلوك الحلفاء ابتدءا من المانيا
الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا لم يكن يوما تفصيلا عابرا بل شكل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ركيزة أساسية في بنية الأمن الأوروبي حيث تحولت القواعد الأمريكية إلى مراكز قيادة لوجستية وعسكرية تدير عمليات تمتد من شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا ومع وجود ما يقارب أربعين ألف جندي في الأراضي الألمانية كانت برلين تمثل القلب النابض للانتشار العسكري الأمريكي في القارة ما يجعل أي تقليص في هذا الوجود في هذا التوقيت محملا برسائل تتجاوز الأرقام إلى إعادة تعريف الدور الأمريكي نفسه
رغم أن القرار يستهدف سحب نحو خمسة آلاف جندي فقط فإن رمزيته تفوق حجمه الفعلي حيث يأتي في لحظة حاسمة تعيد فيها أوروبا النظر في عقيدتها الدفاعية بعد سنوات طويلة من الاعتماد شبه الكامل على المظلة الأمريكية ومع تصاعد التهديد الروسي منذ ضم القرم ثم الحرب في أوكرانيا بدأت القارة العجوز تدريجيا بالتحول من نموذج للسلام الاقتصادي إلى مشروع قوة عسكرية صاعدة مدعومة بزيادات غير مسبوقة في الإنفاق الدفاعي وتوسيع نطاق التعاون العسكري داخل الاتحاد دول الأوروبي
بالقراءة التفصيلية للحدث يمكن فهم خطوة ترامب بوصفها محاولة لتسريع ما تطالب به واشنطن منذ سنوات وهو نقل عبء الدفاع إلى الأوروبيين انفسهم سيما وان الإدارة الأمريكية لا زالت تنظر إلى الحلفاء باعتبارهم مقصرين في تحمل مسؤولياتهم سواء في تمويل الناتو أو في الانخراط في العمليات العسكرية المشتركة وهو ما ظهر بوضوح في انتقادات ترامب المتكررة لأوروبا بسبب موقفها الرافض للحرب على إيران من حيث المبدأ وبالتالي فإن الانسحاب الجزئي يبدو أقرب إلى أداة لإجبار الأوروبيين على رفع مساهماتهم العسكرية والمالية وليس انسحابا استراتيجيا كاملا كما يبدو للبعض
💬 التعليقات (0)