لم تكن جريمة الحرب التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب اللبناني أول من أمس والتي راح ضحيتها أكثر من مائتين وخمسين شهيداً وأكثر من ألف مصاب إلا تعبيراً عن غضب وحنق وإحباط قادة دولة الاحتلال وليس مستبعداً أن يتحرك القضاء الدولي على خلفية هذه المجزرة بالتحديد لملاحقتهم بتهمة ارتكاب جريمة الحرب، التي جاءت مباشرة بعد الإعلان الأميركي عن وقف إطلاق النار مع إيران تمهيداً لإجراء المفاوضات خلال أسبوعين لوقف الحرب الدائرة منذ عامين ونصف في الشرق الأوسط.
ما نقوله عن حنق مجرمي الحرب الإسرائيليين ليس مجازاً ولا مبالغة، فقد كان رد الفعل داخل إسرائيل شديداً حيث تدافعت المعارضة للتنديد بنتنياهو، الذي كذب كثيراً بقيادته إسرائيل إلى حرب خاسرة بالنتيجة لأنها لم تحقق أياً من الأهداف التي شنت من أجلها ولم يكن وقف إطلاق النار والإعلان عن المفاوضات من أجل وقف الحرب قد أخرج إسرائيل من طاولة التفاوض وحسب بل إنه جاء بالضد مما أراده نتنياهو وحاول بكل قوته منعه حتى اللحظة الأخيرة.
وفي تسريبات الإعلام الأميركي اتضح أن الرئيس دونالد ترامب تعرض ما قبل انتهاء المهلة بساعتين لضغوط بالاتجاهين: اتجاه يقوده نتنياهو وآخرون خارج وداخل أميركا باتجاه مواصلة الحرب وعدم الموافقة على وقف إطلاق النار واتجاه مضاد قاده نائب الرئيس جي دي فانس وستيف ويتكوف وكان مع وقف إطلاق النار. وتتضح هنا مصلحة كل من نتنياهو وفانس الشخصية المتناقضة، فنتنياهو قاد حرباً إقليمية من أجل البقاء في الحكم وفانس مع وقف الحرب بعد انعكاساتها وتأثيراتها على الداخل الأميركي ليبقي على حظوظه بأن يكون الرئيس بعد العام 2028.
من المتوقع منذ الآن أن ينتقل اهتمام المحللين السياسيين والمتابعين من التفاصيل اليومية للمواجهة العسكرية لمتابعة ما يخص الفصل التفاوضي وما انتهت إليه الحرب في فصلها الأخير على الأقل، هذا على الرغم من أن وقف إطلاق النار بل صيغة المرحلة الأولى التي نص عليها الاتفاق لا تعني وقفاً رسمياً للحرب لكنها تعني وقفها فعلياً وإن كانت إسرائيل بلسان نتنياهو أعلنت موافقتها على إعلان ترامب وقف إطلاق النار فقد تنصلت من مضمونه كما هي عادتها، لكن مواصلة إسرائيل للحرب لن تغير من نتائجها التي انتهت إليها حتى الآن والتي أقل ما يقال فيها إنها لم تغير المعادلات الجيوسياسة في الشرق الأوسط وحسب بل غيرت معادلة النظام العالمي بأسره ولا نبالغ إن قلنا إنها كانت «حرباً عالمية» مصغرة، بالنظر أولاً إلى أن إيران تصدّت عسكرياً لأقوى قوة عسكرية في الشرق الأوسط ولأعتى قوة عسكرية في العالم معاً وسوياً ولأن الحرب أدخلت الجانب الاقتصادي فيها وهو شكل الصراع العالمي ولأن ترامب تحديداً حاول أن يزج بالناتو والدول الأوروبية وحتى دول الشرق الأوسط لتخوض الحرب معه وهذا يؤكد تماماً أن الحرب لم تكن حرباً إيرانية إسرائيلية على النفوذ في الشرق الأوسط وحسب.
ولأن الحرب تقاس بنتائجها فإن كل ما قيل خلالها قد ينسى تماماً أو يتحول إلى مادة للتندر، من قبيل ما ادعاه قائدا العدوان ترامب ونتنياهو من تحقيق الانتصار منذ اليوم الأول وتدمير 90 أو 95% من القوة العسكرية ومن الاقتصاد الإيراني ومن تدمير النظام باغتيال قادته والأهم تلك التهديدات التي صارت عصبية ومقيتة في الأيام الأخيرة لحرب الأربعين يوماً التي أطلقها ترامب من قبيل استسلام إيران التام وبلا شروط إلى مسحها من على الخريطة إلى سحق حضارة كاملة في ليلة واحدة والتهديد باحتلال خرج بكل سهولة وذلك بهدف صريح وهو الحصول على نفط إيران وسرقة اليورانيوم المخصب.
ليس من المفيد إعادة وتكرار ما أعلنه نتنياهو وترامب قبل أربعين يوماً من إطلاقها ولا حتى البحث فيما تحقق من تدمير، لأن الجانب الأميركي في معرض تقديمه لموافقته على وقف إطلاق النار ادعى أنه حقق هدفه في منع إيران من امتلاك السلاح النووي ودمر قوتها البالستية وأضعف حلفاءها ومن الطبيعي أن إيران تعرضت للضرر فيما يخص قوتها الصاروخية، لكن أميركا وإسرائيل أيضاً استنفدتا ما لديهما من مخزون صاروخي ومن ذخائر وكلا الطرفين تعرض لخسائر اقتصادية هائلة.
💬 التعليقات (0)