أمد/ في ظل الهشاشة البُنيوية التي تعيشها الحالة الفلسطينية—بوصفها حالة ضعف مستمر في إنتاج مؤسسات مستقرة وفاعلة—لا تظهر العصبية القبلية كأثر اجتماعي تقليدي أو بقايا ما قبل الدولة، بل سمحت بإعادة تفعيل العصبية القبلية كآلية بقاء سياسية تعيد إنتاج هذه الهشاشة داخل المجال الاجتماعي نفسه، وتعيد توزيع الولاء والموارد خارج منطق المواطنة والمؤسسة. ومع تراجع فاعلية المؤسسات ضمن إطار سلطة انتقالية محدودة السيادة ومنقسمة جغرافيًا وسياسيًا، يتشكل اقتصاد ولاء يعيد ترتيب الانتماءات وفق منطق القرابة والوساطة وشبكات النفوذ، بدلًا من قواعد الحق العام. غير أنّ هذا التحول لا يمكن اختزاله في البُنية وحدها—"الإطار من العلاقات والمؤسسات التي تُنظّم الفعل وتُعيد إنتاج شروطه"—بل يتشكل عبر تفاعل معقد بين ضغوط بُنيوية ممتدة وقرارات سياسية ساهمت في ترسيخه وإعادة إنتاجه. في هذا السياق، لم يعد تفكك المجال السياسي ناتجًا عن الخارج فقط، بل عن مسارات داخلية عمّقت الانقسام منذ عام 2007، حيث تحوّلت إدارة الضفة الغربية وقطاع غزة إلى مسارين سلطويين منفصلين، لكل منهما منظومته في توزيع الموارد وبناء الولاءات. وبذلك، لم يعد الانقسام حالة طارئة، بل بُنية حكم قائمة تُنتج ضعفها باستمرار. في هذا السياق، لا تعمل البُنى العائلية والحمائلية كبقايا تقليدية، بل كاقتصاديات بقاء تملأ فراغ الفاعلية المؤسسية، وتزاحم المجال السياسي في إدارة الحياة العامة. غير أنّ هذا الدور لا ينشأ تلقائيًا فقط، بل يتعزز عبر توظيف سياسي مباشر في التعبئة وإدارة النفوذ وإعادة إنتاج الولاءات. التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يعيد تشكيل شروطه. وفي الحالة الفلسطينية، يظهر ذلك في تفاوت الحضور المؤسسي بين الضفة وغزة، حيث يؤدي تراجع المؤسسات وتآكل الثقة إلى تنشيط شبكات البقاء كأنظمة تنظيم بديلة، ليس فقط كاختيارات هوياتية، بل أيضًا كنتيجة لسياسات داخلية أضعفت المجال العام. ولا يمكن فهم هذه الدينامية دون تحديد طبيعة الفاعلين السياسيين، الذين يتوزعون على ثلاث دوائر: سلطة ناظمة ككيان انتقالي تحت الاحتلال بقدرة مقيدة على توزيع الموارد، ونخب فصائلية تشارك في صياغة قواعد الولاء، وشبكات اجتماعية محلية تتحول من بُنى اجتماعية إلى أدوات نفوذ عند ضعف المؤسسات. ويتقاطع ذلك مع سياقات أمنية وجيوسياسية وأيديولوجية، بما في ذلك فاعليات الإسلام الحركي، التي تمارس دورًا تنظيميًا ومجتمعيًا يجعلها جزءًا من بُنية السلطة لا مجرد إطار فكري. في هذا الإطار، لا تُفهم العصبية كبقايا ما قبل الدولة فقط، بل كنتاج يُعاد إنتاجه في ظل ضعف الإطار المؤسسي. وفي قراءة ابن خلدون، تتحول العصبية من قوة بناء إلى عامل تفكك حين تنفصل عن إطار سياسي جامع. غير أنّ استعادتها في الحالة الفلسطينية اليوم لا تعكس عودة تلقائية، بل نتيجة لسياسات أعادت توظيفها داخل المجال السياسي، حيث تعمل كأداة لإعادة توزيع النفوذ في ظل سلطة منقوصة السيادة تتداخل فيها المؤسسات مع شبكات المصالح بدل أنْ تضبطها. ضمن هذا السياق يتشكل اقتصاد الولاء، حيث تُدار الموارد عبر القرب والوساطة بدل الكفاءة والمواطنة. هذا النمط لا يعكس البُنية وحدها، بل يُعاد إنتاجه عبر سياسات التوظيف والمساعدات والتمثيل، ما يجعل الفاعل السياسي جزءًا من إنتاجه. ويتعمق هذا النمط في قطاع غزة بفعل الحصار والحروب وانهيار البُنية التحتية، مع بروز تصورات لإعادة تشكيل إدارة القطاع قد تتجه نحو صيغ وصاية. هنا يتشكل اقتصاد بقاء تُدار فيه الحياة بمنطق الضرورة، وتتداخل العائلة والفصائل والشبكات المحلية في إدارة الموارد، ما يعيد إنتاج العصبية كأداة تنظيم وأداة سياسية. من نافلة القول أنّ الاحتلال عامل حاسم في تشكيل هذا الواقع، ليس فقط عبر القيود المباشرة، بل عبر تفكيك المجال السيادي ومنع تشكّل إطار سياسي مكتمل. غير أنّ تحويله إلى تفسير شامل يُعفي الفاعلين من مسؤولياتهم، ويُخفي حقيقة أنّ ما جرى داخل هذه القيود لم يكن محايدًا؛ بل تشكّل عبر سياسات وخيارات أسهمت في تعميق الهشاشة بدل احتوائها. في هذا السياق، يمكن فهم إدارة الهشاشة بوصفها تحويلًا للضعف إلى آلية حُكم داخل سلطة منقوصة السيادة. فاستمرار الضعف لا يعفي الفاعلين من المسؤولية، بل يعيد تشكيلها ضمن منظومة تُثبّت شبكات الوساطة بدل مؤسسات الحقوق، وتحوّل الاستثناء إلى قاعدة عمل. ويترافق ذلك مع هندسة الانتماء، حيث يُعاد تشكيل الولاءات عبر توزيع الموارد والتمثيل والوساطة، في غياب إطار سيادي مكتمل. غير أنّ هذه العملية تظل ساحة صراع بين الفاعلين، لا نتيجة حتمية، بل مسارًا يُعاد تشكيله باستمرار. ولا يمكن اختزال الفاعلية السياسية إلى إرادة واعية كاملة، كما لا يمكن ردّها إلى بُنية صرفة، بل هي تفاعل بين قرارات محددة وهشاشة تعيد تضخيم آثارها. إنّ الهوية السياسية الوطنية ليست معطًى ثابتًا، بل بناء مؤسسي يَتشكل عبر الممارسة اليومية للعدالة وسيادة القانون ضمن إطار لم يكتمل سياديًا. وعندما يضعف هذا البناء، لا يحدث الانهيار دفعة واحدة، بل تفكك تدريجي للعلاقات الجامعة يتغذى على اقتصاد الولاء وإدارة الهشاشة، ويُعيد إنتاج الانقسام بصيغ جديدة. السؤال الجوهري يتعلق بمدى قدرة الفاعلين على كسر هذا المسار أو إعادة إنتاجه. فإمّا إعادة بناء الكيانية السياسية على أسس مؤسسية تحد من منطق الولاء وتعيد الاعتبار للمواطنة، أو استمرار إنتاج أنماط ما قبل الكيانية بأدوات أكثر تعقيدًا. لكنّ السؤال لم يعد نظريًا: مَنْ المسؤول؟ المسؤولية لا تختفي خلف البُنية، بل تتوزع بوضوح على كل فاعل يملك قرارًا ويسهم—فعلًا أو صمتًا—في ترسيخ هذا المسار: سلطة تُدير الموارد بمنطق الضبط لا البناء، فصائل تُعيد تعريف الولاء وفق مصالحها، ونخب تُكيّف المجتمع مع الهشاشة بدل مواجهتها. وهنا، لا يصبح الاستمرار نتيجة ظرف، بل نتيجة خيارات متراكمة. وفي هذا الأفق، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن للانتماء الوطني أنْ يستعيد مركزه الجامع، أم أنّ منطق البقاء سيواصل تفكيكه داخل شبكة الهشاشة البُنيوية؟
حكومة نتنياهو تصادق على شراء سربين جديدين من مقاتلات "إف-15" و"إف-35"
اليوم 66..حرب إيران تدخل منعطف جديد مع مقترح الـ 14 بند وتردد ترامب
في هجوم جديد..كارلسون: لا ينبغي لأمريكا أن تتصرف وفقا لمصلحة دولة صغيرة
بلومبيرغ: إم إس سي تطلق مسار شحن تجاري جديد يتجاوز مضيق هرمز
إيران ترد على "مقترح أمريكا" بخطة لإنهاء الحرب: 14 × 9
💬 التعليقات (0)