أمد/ النموذج الذي نتحدّث عنه، بدأ معرفياً ثم انتهى عرفانياً، قاطعاً المسافة الطويلة والمُنْهِكة ما بين البصر والبصيرة، وما بين الحسّ وبين الإحساس، وما بين الكشف وبين الانكشاف.
إنه حسين البرغوثي! الذي هزّ قناعاتنا ورجّ المُسلّمات فينا، وأشاع في وعينا تلك الحرائق الصعبة؛ كان موسوعيّاً، يعرف جهلنا فيمزّقه، ويأخذنا إلى الأسئلة اللامتناهية. لم يكن لديه سقف أو مُقدّس، ولا يؤمن بالتابوات والمحظورات، فكان يسوح ويشكّك ويفاجئ ويجيب ويسأل.
نَستذكرُ حسين مثقّفاً خاصَّاً أرادَ لمعرفتهِ أنْ تصلَ بهِ إلى الحِكمة؛ الحكمةِ التي تستوعبُ الكونَ، باللُّغةِ واللَّونِ والحَركةِ وقانونِ الفيزياء. الحكمةِ التي لا تَتوقَّفُ عندَ ذاتِها، حتَّى لا تتحوَّلَ إلى قَالبٍ جاهز. كان يرغبُ بحكمةٍ مُتحوِّلةٍ لا تتوقف، حكمةٍ نقيضَ نَفْسِها وذاتِها، وكأنَّها معنى الخَلْق. كان يريدُ أن يقبضَ بأصابعهِ على تلك القوانينِ التي تحكمُ الزَّمنَ والحركةَ والمكان، ليسَ من خلالِ أدواتٍ معرفيّةٍ صارمةٍ فحسب، وإنَّما بوساطةِ الكشفِ والإلهام، وربَّما كان هذا يختصرُ سيرةَ هذا المبدعِ الفلسطينيِّ الذي أضاءَ ومضى. فمن ماركسيّةٍ شموليَّةٍ تدَّعي تفسيرَ العالم وتدَّعي تغييرَه، إلى هيجلَّيةٍ تبحثُ عن "الكلِّي" و"الشَّامل"، ومنها إلى نيتشويَّةٍ تطمحُ إلى ذاتٍ عُليا قويَّةٍ لا تعترفُ بالضَّعفِ أو الجموع، إلى إلهاميَّةٍ صوفيَّةٍ كشفيَّةٍ تعتمدُ اللُّغة وسيلةً وهدفاً في آن.
كم كان حسين مشغولاً بالكُليِّ والشُّموليِّ والعرفانيّ!
ففي كُتبهِ النقديَّةِ الأُولى كـ"سُقوطِ الجدارِ السَّابع" و"أزمةِ الشِّعرِ المحلِّي"، اكتشفَ وكشفَ خواءَ النصّ الشِّعري المحلِّي لغيابِ المكان فيه، ولغيابِ التَّفاصيل، ولغيابِ اللَّونِ والحركةِ والصَّوت. لهذا لم يَرَ غير الأسدِ روحاً في أبي المحسَّد، لأنَّ صاحبَ السوبرمان كان حاضراً بإعجابهِ الطَّاغي بالقَويِّ الذي رآهُ في السَّيفِ الأمير، وادَّعى أنَّ الشَّاعرَ لم يَرَ النَّاسَ والضُّعفاءَ والمُرتمينَ على رصيفِ التَّاريخ. ولم يَخلِطْ المرايا لتسيلَ بهدفِ بَحْثٍ عن شكل جديدٍ بقدرِ محاولتهِ هندسةَ رؤيةٍ عقليَّةٍ أو كشفيَّةٍ إلهاميَّةٍ تمنَّاها وآمنَ بها، مثل الجَبْرِ المُفَكَّكِ الصَّادرِ عن واحدٍ فقط . ولعلَّ التَّجريبَ الشَّكلانيَّ تجربةٌ خاصَّةٌ بحسين، ولم تكنْ تجربةً مجتمعيَّة. وفي روايتهِ "الضفةِ الثَّالثةِ لنهرِ الأردن" يمكنني أن أقولَ: إنَّه كان من أوائلِ الرُّوائييِّنَ الفلسطينيِّينَ الذين كتبوا بأُسلوبٍ سرديٍّ حداثيٍّ، تداخلتْ فيهِ الأصواتُ والأزمنةُ والأمكنة، وغامرَ بتقديمِ شخصيَّةٍ لا تدَّعي البطولةَ ولا الأخلاق، وإنَّما شخصاً عاديّاً يواجهُ الكونَ منفرداً.. كان ذلك أمراً غيرَ معهودٍ في الثَّمانينيات..ولكن هذا هو حسين البرغوثي جديداً مفاجئاً ومُبتكراً.
وحسين كان يرغبُ أن يكون شاعراً، كانت تُغريهِ هذه الصِّفةُ ويُحبُّ أن يتزيّا بها، لهذا كتبَ ديوانَهُ الرَّائعَ: "ليلي وتوبة"، وفيه أرادَ من اللُّغةِ ما تخبّئ ؛ أراد أن يُحاول إمكاناتِ اللُّغة، وأنْ يستخرجَ آخِرَ ما في النصّ. كانت القصيدةُ في هذا الدِّيوانِ جزءاً من معاناةٍ روحيّةٍ طويلة، أرادَ منها أن تكونَ إحدى الاحتمالاتِ المُمكنة، ولكن الاحتمالَ الأجمل. هذه المعادلةُ الصَّعبةُ حاولَ أن يطبِّقَها في دواوينهِ كلِّها، حيثُ القصيدةُ تَحملُ معها موجوداتِ العالمِ البصريَّةِ والسَّمعيةِ والهندسيَّة، تحاولُ أنْ تثبتَ أنَّها القصيدة الأكثرَ قُرباً من الحقيقة، ولكن حسين، ذلكَ الموسوعيَّ، الذي قرأَ وتمثَّلَ لم يتوقَّفْ عندَ هذا المقدَّسِ البَهي؛ الشِّعر، فقد كتبَ الدِّراساتِ المُبْتَكَرةَ التي لم يَسبِقْهُ إليها أحد! ففي كتابهِ "السَّادن" أشارَ بطريقةٍ فَذّةٍ إلى الرُّموز والدَّلالاتِ الكُبرى الروحيّةِ والدِّينيةِ والأَنثروبولوجيَّةِ التي حَكمتْ الإنسانَ العربيَّ قبلَ الإسلام، وأثبتَ كيف كانت على وشكِ الانهيار، وأنَّها وصلتْ إلى المرحلةِ ما قبل التَّفكك. وفي دراستهِ عن "النَّاقة" في الشِّعرِ العربيِّ الجاهليِّ أثبتَ بطريقةٍ مُعجزةٍ كيفَ أنَّ فَراغَي البحرِ والصَّحراءِ كانا أساسَ الإيقاعِ والوزنِ في بيتِ الشِّعر العربي، وربَّما كان حسين من أكثرِ الباحثينَ أصالةً في إشارتهِ إلى النَّقصِ الإيقاعيِّ في أوزان الخليل بن أحمد، من خلالِ ما أشارَ إليهِ حسين من النَّقص في التَّفعيلاتِ الطَّويلة، وتتجلَّى عبقريةُ حسين في أنَّه لم يعتمدْ على ما اجترَحهُ كمال أبو ديب أو كمال خير بك وآخرون، والذين اقترحوا نظاماً إيقاعياً بديلاً يقومُ على العلاقةِ ما بين الحُروفِ الصَّامتةِ والصَّائتهِ وعلى الحركةِ الثَّقيلةِ والخَفيفة، كما في "الفونتكس" الغربي، على اعتبارِ أنَّهم تَرجموا ومن ثم طَبَّقوا المنهاجَ الغَربيَّ على الشعرِ العربي، أما حسين البرغوثي فإنَّه ابتدعَ منهجاً معرفياً يقومُ على دراسةِ الظَّاهرةِ بشروطِها وخصوصِيَّتها من خلالِ مُتابعةِ حركةِ النُّجومِ والطَّوافِ حولَ الكعبةِ المُشرّفةِ لتأسيسِ نظامٍ إيقاعيَّ يُقارِبُ الموسيقى في الشِّعر العربي.
💬 التعليقات (0)