كريم أبو عجيرم باحث في القانون الدولي والشؤون الأمنية
ليست المنشورات التي تُلقى من الجو مجرد خطاب إعلامي عابر، بل تدخل في سياق أوسع يرتبط بتشكيل الرواية القانونية للصراع. فهي لا تكتفي بوصف الواقع، بل تسعى لإعادة تعريفه بطريقة تُعيد توجيه المسؤولية من الفاعل إلى المتلقي.
وفق قواعد القانون الدولي الإنساني، لا تُقاس المسؤولية بالنوايا المعلنة، بل بالفعل المادي وآثاره. فالقوة التي تفرض سيطرة فعلية على الأرض والسكان، تترتب عليها التزامات واضحة، أبرزها ضمان الحد الأدنى من مقومات الحياة، وعدم اتخاذ تدابير من شأنها إلحاق الضرر الجماعي بالمدنيين.
في هذا السياق، فإن أي واقع يتسم بالحصار الممتد، وتقييد الحركة، وإضعاف البنية الاقتصادية، لا يمكن فصله عن الإطار القانوني الذي ينظمه. إذ تحظر اتفاقية جنيف الرابعة صراحةً العقوبات الجماعية، كما تحظر قواعد القانون الدولي استخدام التجويع أو الحرمان كوسيلة ضغط.
المنشورات الجوية، حين تُركّز على توصيف المعاناة دون سياقها، تمارس عملية “إعادة تأطير” تُفرغ القاعدة القانونية من مضمونها. فهي تُبرز النتيجة (المعاناة)، لكنها تُغيّب السبب القانوني (القيود المفروضة والسيطرة الفعلية)، بما يؤدي عمليًا إلى نقل مركز المسؤولية.
غير أن المسؤولية في القانون لا تُعاد صياغتها عبر الخطاب، بل تُحددها الوقائع. فإذا استمر ذات النمط من القيود في مناطق مختلفة، بغض النظر عن الجهة المحلية القائمة بالإدارة، فإن ذلك يعزز الاستنتاج بأن العامل الحاسم ليس داخليًا بحتًا، بل مرتبط بمن يملك أدوات التحكم بالحيّز.
💬 التعليقات (0)