أمد/ عندما يتحول البحث عن لقمة العيش إلى معركة يومية من أجل البقاء يغدو الحديث عن حق الإنسان في العمل ترفا نظريا هذا حال مئات آلاف العمال الفلسطينيين الذين سحقتهم آلة الحرب والإغلاق ولم تكتف بسرقة أرزاقهم بل امتدت لتنتهك كرامتهم وحقهم في الحياة ففي مشهد قلما نراه في تاريخ الشعوب تحولت الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى سجن كبير للعمالة ومسرح دائم لانتهاك كافة المواثيق الدولية لحقوق الإنسان
تكشف أحدث البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عن أرقام تنبئ بكارثة إنسانية واجتماعية حادة فمع انقضاء عام 2024 قفز معدل البطالة في قطاع غزة المحاصر إلى 73% مرتفعا من 45% فقط قبيل العدوان الإسرائيلي في أكتوبر 2023 وهي أعلى نسبة بطالة تسجل في بقعة جغرافية حول العالم لقد بات ثلاثة أرباع الشباب في غزة خارج إطار العمل والتعليم والتدريب مما ينذر بضياع جيل بأكمله ولم تسلم الضفة الغربية من هذا الانهيار فارتفعت فيها البطالة إلى 31% بعد أن كانت 18% فقط وارتفع عدد العاطلين عن العمل من 183 ألفا إلى 313 ألفا في عام واحد نتيجة عمليات الإغلاق الممنهجة وتقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية إنها عقوبة جماعية يعاقب فيها الإنسان على إنسانيته
وهنا تكمن الجريمة المنظمة التي ترتكبها سلطات الاحتلال بحق حق العامل الفلسطيني في العمل الذي تكفله المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لم تكتف آلة الحرب بتدمير المصانع والورشات بل أقدمت سلطات الاحتلال على تجميد وإلغاء تصاريح العمل لنحو 200 ألف عامل فلسطيني من الضفة الغربية ممن كانوا يعملون داخل أراضي الـ48 هذا الإجراء التعسفي الجماعي الذي يتعارض مع القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة يمثل انتهاكا صارخا لمبدأ الحق في العمل والمساواة في فرص التشغيل بهذا الفعل تتحول سلطات الاحتلال إلى قوة تدمير اقتصادي واجتماعي ممنهج يدفع ثمنه العامل المسحوق.
لقد كشفت تقارير صادرة عن منظمة العمل الدولية عن انتهاكات جسيمة وممنهجة لحقوق العمال الفلسطينيين في سوق العمل الإسرائيلي والسوق المحلية على حد سواء وتشير هذه التقارير إلى تعرض العمال لمعاملة مهينة وتمييز عنصري صارخ ويصب ذلك في سياق جريمتين متلازمتين تكملان بعضهما هما الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري الأبارتهايد كما وصفتهما تقارير منظمات حقوقية دولية وفلسطينية رائدة كالمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ومؤسسة الحق إن سرقة جهد العامل ثم مصادرته كليا ليست سوى امتداد لسرقة الأرض والمصادرة القسرية التي طالت كل مقومات الوجود الفلسطيني.
بالتوازي مع ذلك يقف العامل الفلسطيني في الخطوط الأمامية للفقر المدقع انكمش الاقتصاد الفلسطيني بشكل غير مسبوق وأكد تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الأونكتاد أن الناتج المحلي الإجمالي في الأرض الفلسطينية المحتلة تقلص إلى 70% فقط مما كان عليه في عام 2022 ليمحو 22 عاما من التطور الاقتصادي في غضون خمسة عشر شهرا من الحرب تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في غزة إلى 161 دولارا أميركيا وهو من أدنى المستويات عالميا كما قفز التضخم بمستويات فلكية وصلت إلى 238% في غزة و54% في الأراضي الفلسطينية ككل مما يعني أن العامل الذي كان قادرا بالكاد على تدبير أمور أسرته بات عاجزا حتى عن تحصيل الخبز دمّر القصف الإسرائيلي 70% من المباني في غزة بما فيها ورش العمل والمصانع الصغيرة وأتى على البنية التحتية للطاقة والمياه ليحول القطاع إلى منطقة موبوءة بكل أشكال الفقر. في هذا السياق لم تعد لغة حقوق الإنسان مجرد دفاع عن العامل بل أصبحت صرخة وجود في وجه سياسة التجويع كأداة من أدوات الإبادة الجماعيةلا يمكن دراسة مصير العامل الفلسطيني بمعزل عن الإطار السياسي والقانوني القائم على الاحتلال العسكري،الحصار والضم الزاحف والتوسع الاستيطاني كلها منظومة واحدة مترابطة تعمل على حرف الاقتصاد الفلسطيني عن مساره عبر إجراءات باتت توصف من قبل المقررين الخاصين للأمم المتحدة بأنها تصل إلى مستوى جرائم الحرب،مع كل تجميد للتصاريح ومع كل هدم لمصنع أو منشأة اقتصادية يتم إعدام لقمة العيش عن سابق إصرار. هذا الواقع يعصف بمبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان التي تنص صراحة على مبدأ الحق في التنمية ومبدأ المساءلة والمحاسبة على الجرائم المرتكبة.
إن فقدان العامل الفلسطيني لمصدر رزقه لا يمثل مجرد مشكلة إنسانية عابرة بل هو نتيجة مباشرة لاستراتيجية احتلالية ممنهجة تقوم على التطهير الاقتصادي. وأمام هذا المشهد القاتم يصبح من الواجب الحقوقي والقانوني على المجتمع الدولي التحرك الفوري لرفع الظلم الواقع على العامل الفلسطيني إن الصمت على هذه المأساة ليس حيادا مخزيا بل هو تواطؤ مع نظام الظلم وإن استعادة الكرامة الإنسانية والحق في العمل لن تتحققا دون نضال قانوني وسياسي جاد يفضي إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق السيادة الوطنية الكاملة على كامل الأرض الفلسطينية هذا هو السبيل الوحيد لضمان عودة العامل إلى عجلة الإنتاج وإعادة بناء ما هدمته آلة الحرب والبطالة.
💬 التعليقات (0)