أمد/ غـداة نـجـاح الـثّـورة الـبـلـشـڤـيّـة فـي روسـيـا الـقـيـصـريّـة (1917) وإقـامـة نـظـام السّـوڤـيـيـتـات (= مـجـالـس الـعـمّـال والـفـلاّحـيـن) الاشـتـراكـيّ فـيـهـا، حـدّد زعـيـمُـهـا لـيـنـيـن الـتّـنـاقـضـات الجـديـدةَ الحـاكـمـة للعـالـم في أربـعـةٍ رئـيـسَـة: الـتّـنـاقـض بـيـن البـرجـوازيّـات والطّـبـقـات المـنـتِـجَـة (الـپـرولـيـتاريـا، تـحـديـداً، كـطـلـيـعـة عـمّـالـيّـة)؛ والـتّـنـاقـض بـيـن النّـظـام الـرّأسـمـالـيّ الـعـالـمـيّ والـنّـظـام الاشـتـراكـيّ الـولـيـد فـي روسـيـا؛ ثـمّ الـتّـنـاقـض بـيـن الاسـتـعـمـار وحـركـات الـتّـحـرُّر الـوطـنـيّ فـي بـلـدان المسـتـعـمـرات؛ و، أخـيـراً، الـتّـنـاقـض بـيـن الـرّأسـمـالـيّـات داخـل نـظـامـهـا الـواحـد. وهـي، فـعـلاً، تـنـاقـضـات اعـتـمـلـت فـي العـالـم الـمـعـاصـر وتـفـاوتـت حـدّتُـهـا مـن مـكـانٍ لآخـر ومـن زمـنٍ لآخـر، كـمـا اسـتـمـرّ فـي الاعـتـمال بـعـضُهـا بـمـوازاة اضـمـحـلال بـعـضِهـا الآخـر وزوالِـه...
حـيـن نـقـرأ لـوحـةَ مـعـطـيـات الـصّـراعـات فـي الـعـالـم، اليـوم، انـطـلاقـاً مـن الـتّـصـنـيـف اللّـيـنـيـنـيّ للـتّـنـاقـضـات المـومـأ إلـيـها - وقـد مـرّ عـليـه مـا يـقـارب المـائـة عـامٍ وعـقـدٍ مـن الـزّمـن- سـنُـلـفـي أنّ واحـداً مـنـهـا زالَ وجـوداً ولـم يـعُـد فـي الـصّـورة، وأنّ اثـنـيـن مـنـهـا تـضـاءلـت حـدّتُـهـمـا إلـى الحـدّ الأبـعـد، فـيـمـا ظـلّ تـنـاقـضٌ واحـد مـنـهـا يـفـرض نـفـسـه بـوصـفـه الـتّـنـاقـضَ الـرّئـيـس المـحـتـدم والـمـسـتـمـرّ فـي العـالـم الـيـوم... وفي حـقـبـة العـولـمـة الـرّاهـنـة. فـأمّـا الـذي زال ودَرَسَ رسْـمُـه فـالـتّـنـاقـض بـيـن الـنّـظـام والـمـعـسكـر «الاشـتـراكـيّ» ونـظيـرِه الـرّأسـمـالـيّ فـي الـغـرب بـعـد انـهـيـار الاتّـحـاد السّـوڤـيـيـتـيّ وانـفـراط مـعـسكـر حـلـفـائـه فـي أوروبـا الـشّـرقـيّـة والـوسـطـى؛ وأمّـا الـتّـنـاقـضـان الـمـائـلان إلـى اضـمـحـلالٍ وخُـمـود فـالـتّـنـاقـض بـيـن الـطّـبـقـات البـرجـوازيّـة المـالـكـة لـوسـائـل الإنـتـاج، مـن جـهـة، والطّـبـقـات المـنـتِـجـة المـحـرومـة مـن وسـائـل الإنـتـاج، مـن جـهـة أخـرى، لأسـبـابٍ شـتّـى (مـنـهـا نجـاحـات البـرجـوازيـات الـغـربـيّـة فـي احـتـواء الـطّـبـقـات الكـادحـة وإدمـاجـهـا فـي الـنّـظـام: كـمـا يـذهـب إلـى ذلـك هـربـرت مـاركـيـوز)؛ ثـمّ الـتّـنـاقـض بـيـن حـركـات الـتّـحـرّر الـوطـنـيّ فـي بـلـدان الجـنـوب والاسـتـعـمـار الـغـربـيّ، وهـو الـذي كـان مـحـتـدّاً بـعـد نـهـايـة الحـرب الـعـالـمـيّـة الـثّـانـيّـة وإلـى سـتّـيـنـيّـات الـقـرن المـاضـي ثـمّ انـتـهـى بـنـهـايـة الاسـتـعـمـار (مـا خـلا فـي فـلسـطـيـن المـحـتـلّـة مـنـذ العـام 1948). لـم يـبـق مـن تـلك الـتّـنـاقـضـات، إذن، إلاّ الـتّـنـاقـض الـدّاخـلـيّ فـي الـرّأسـمـالـيّـة بـيـن مـراكـزهـا الكـبـرى.
هـذا الـنّـمـط الـرّابـع مـن الـتّـنـاقـضـات تـعـود جـذوره إلـى نـهـايـات الـقـرن الـثّـامـن عـشـر وإلـى الـقـرن الـتّـاسـع عـشـر عـلى امـتـداده الـزّمـنـيّ كـلِّـه؛ حـيـث الـبـاعـثُ عـليـه تـلك الـمـنـافـسـةُ الحـادّة المـحـتـدمـة بـيـن الـرّأسـمـالـيّـات الكـبـرى (الـبـريـطـانـيّـة، الـفـرنـسـيّـة، الإسـپـانـيّـة، الألـمـانـيّـة، الإيـطـالـيّـة، الأمـريـكـيّـة...) عـلى الاسـتـيـلاء عـلى الـمـسـتـعـمـرات ومـنـاطـق الـنّـفـوذ قـصـد السّـيـطرة عـلى مـصـادر الـثّـروة الـطّبـيـعـيّـة مـن الـمـوادّ الخـام، والـسّـيـطـرة عـلى طـرق الـتّـجـارة الـدّولـيّـة وعُـقَـدهـا، بـمـا فـيـهـا مـن مـضـائـقَ وخُـلـجـانٍ وجـزرٍ، فـضـلاً عـن اسـتـقـدام الأيـدي الـعـامـلـة الـرّخـيـصـة وتـجـنـيـد أبـنـاء المـستـعـمـرات فـي جـيـوش الـدّول الـغـربـيّـة وحـروبـهـا الاسـتـعـمـاريّـة. مـع احـتـدام الـمـنـافـسـة تـلك، لـم تَـبْـق الـتّـنـاقـضـات بـيـن الـرّأسـمـالـيّـات فـي حـدودهـا الـصّـراعـيّـة الـتي كـانـت تـدور فيـهـا، لأزمـنـةٍ مـتـطـاولـة، بـل انـفـجرت فـي شـكـل حـروبٍ شـامـلـةٍ كـبـرى مـزّقـتِ الـقـارّة الأوروبـيّـة ومـا الحـربـان العـالـمـيّـتـان الأولـى والـثّـانـيّـة، فـي الـنّـصـف الأوّل مـن الـقـرن المـاضي، إلاّ الـتّـعـبـيـرَ الـمـادّيّ الانـفـجـاريّ عـن ذلـك الـتّـنـاقُـض الحـادّ الـمـعـتـمِـل بـيـن المـراكـز الـرّأسـمـالـيّـة وعـن الاصـطـدام الـقـاتـل لـمـصـالـحـهـا.
مـا انـتـهـى هـذا الـتّـنـاقـض حـيـن وضـعـتِ الحـربُ الـعـالـمـيّـة الـثّـانـيّـة أوزارهـا وقـام نـظـامٌ دولـيّ للأمـن والـسّـلـم، هـو نـظـام الأمـم المـتّـحـدة، وإنّـمـا مـال إلـى بـعـض الخَـبْـوِ والخـفـوت لا أكـثـر. لـعـلّ تـفـسـيـرَ أسـبـاب ذيـنـك الخَـبْـو والخـفـوت مـردّه إلـى أنّ تـنـاقـضـيْـن دولـيّـيـن آخـريْـن زاحَـمـا ذلـك التّـنـاقـض بـيـن الـرّأسـمـالـيّـات وطَـغَـيَـا عـلـيـه، إلـى حـدٍّ، هـمـا الـتّـنـاقـض بـيـن المـيـتـروپـولات الـرّأسمـالـيّـة مـع الاتّـحـاد السّـوڤـيـيـتـيّ و«الـمـعـسـكـر الاشـتـراكـيّ» الـذي بـات يـتـحـدّى الـغـرب فـي سـاحـة أوروبـا، وصـار يـشـكّـل تـهـديـداً مـنـذ نـجـاح السّـوڤـيـيـت فـي حـيـازة سـلاح نـوويّ وتـجـريـبـه بـنـجـاح (1949)؛ ثـمّ الـتّـنـاقـض بـيـن الحـركـات الـوطـنـيّـة المـسـلّـحـة والشّـعـبـيّـة فـي المسـتـعـمـرات وقـوى الاسـتـعـمـار؛ وهـو الـذي انـفـجـر - بـعـد الحـرب الـعـالـمـيّـة الـثّـانـيّـة - فـي شـكـل حـروب للـتّـحـرّر الـوطـنـيّ انـتـهـت بـانـتـزاع الـمـسـتـعـمـرات اسـتـقـلالاتـهـا الـوطـنـيّـة بـعـد دحـر الاسـتـعـمـار. ولـكـن، مـا هـي إلاّ بـرهـةٌ مـن الـزّمـن خـاطـفـةٌ، بُـعـيْـد انـتـهـاء الحـرب الـبـاردة وانـهـيـارِ الـنّـظـام السّـوڤـيـيـتـيّ، حـتّى تـجـدّدت الـتّـنـاقـضـات الـبـيْـنـيّـة الـرّأسـمـالـيّـة الـتي كـانـت قـد جُـمِّـدت، نـسـبـيّـاً، وأُرجِـئـتْ إلـى حـيـنٍ فـي حـقـبـة الـمـواجـهـات مـع الـنّـظـام السّـوڤـيـيـتـيّ ومـعـسـكـره، ومـع مـا كـان يُـعْـرَف بـاسـم «الخـطـر الـشّـيـوعـيّ» الـذي احْـتـيـجَ مـعـه إلـى تـحـيـيـد الـتّـنـاقـضـات بـيـن الـرّأسـمـالـيّـات وبـنـاء وحـدة أطـلـسـيّـة ثـمّ الانـتـظـام خـلـف الـقـيـادة السّـيـاسـيّـة والـعـسـكـريّـة للـولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيّـة.
حـيـن تَـجـدَّدَ زَخَـم الـتّـنـاقـضـات بـيـن الـرّأسـمـالـيّـات، بَـدَا وكـأنّـه فـي حـالٍ مـن الاحـتـدام تـهـدِّد بـتـجـديـد الـمـواجـهـات الـدّمـويّـة بـيـن المـتـروپــولات الـرّأسـمـالـيّـة الـكـبـرى. أمّـا الـسّـبـب فـلأنّ الـرّأسـمـالـيّـة بـلـغـت طـوراً جـديـداً هـو طـور الـعـولـمـة والـتّـنـافـس عـلى الاحـتكـار فـيـهـا. هـذه واحـدة؛ الـثّـانـيّـة أنّ حـقـبـة الـعـولـمـة هـذه سـتـشـهـد عـلى مـيـلاد خـريـطـة قـوّة جـديـدة أبـرزُ مـا فـيـهـا أنّ دولـتـيـن كـبـيـرتـيْـن الـتـحـقـتـا بـالـنّـظـام الـرّأسـمـالـيّ الـعـالـمـيّ، بـعـد إخـفـاق الـتّـجـارب «الاشـتـراكـيّـة» فـيـهـمـا، هـمـا الصّـيـن وروسـيـا فـعـدّلـتـا مـيـزان الـقـوّة فـي ذلـك الـنّـظـام؛ وأنّ أوروبـا تـوسّـعـت بـإلـحـاق شـرقـهـا بـغـربـهـا وإقـامـتـهـا اتّـحـاداً قـاريّـاً (الاتّـحـاد الأوروبـيّ) صـارت بـه قـوّةً اقـتـصـاديّـةً ذاتَ اعـتـبـار. وهـكـذا، فـمـا نـعـايـنُـه، الـيـوم، مـن اسـتـقـطـابٍ جـديـد بـيـن مـنـظـومـة الـغـرب ومـنـظـومـة قـوى الـ «بـريـكس»، ومـن نـزاعـات عـلى الـمـصـالـح الاقـتـصـاديّـة بـيـن أمـريـكـا وأوروبـا - وآخـرُهـا الـرّسـوم الجـمـركـيّـة الأمـريـكـيّـة عـلى دول الاتّـحـاد واليـابـان وكـنـدا وكـوريـا الشّـمـالـيّـة...، ثـمّ مـا نـعـايـنـه مـن وقـائـع الحـرب الـتّـجـاريّـة بـيـن الصّـيـن والـولايـات المـتّـحـدة الأمـريـكـيّـة... لا يـعـدو كـلُّـه أن يـكـون تـبـدّيـات لـقـانـون الـتّـنـاقـض الـذي يـعـتـمـل فـي قـلـب الـنّـظـام الـرّأسـمـالـيّ الـعـالـمـيّ.
ترامب ينشر خريطة لمضيق هرمز مشيراً إليه بـ"مضيق ترامب" ومستخدماً تعبير "الخليج الفارسي"
💬 التعليقات (0)