تواجه الدولة التركية اختباراً دبلوماسياً وعسكرياً معقداً في ظل الحرب المستعرة ضد إيران، حيث تسعى أنقرة جاهدة للحفاظ على سياسة الحياد التي ميزت تاريخها الحديث. ويشير مراقبون إلى أن صناع القرار في تركيا يستحضرون تجربة الحرب العالمية الثانية لتجنب الانحياز لأي طرف، خوفاً من تكرار انهيار الإمبراطورية العثمانية الذي نتج عن خيارات استراتيجية خاطئة في الماضي.
ورغم سعي تركيا للعب دور القوة الإقليمية المؤثرة، خاصة بعد التغيرات الجيوسياسية في سوريا أواخر عام 2024، إلا أنها لا تزال تفتقر إلى الأدوات الاقتصادية والعسكرية الكافية لفرض شروطها. وتبرز أزمة الدفاع الجوي كأحد أكبر التحديات، حيث أدى شراء منظومة S-400 الروسية إلى عقوبات أمريكية حرمت أنقرة من تكنولوجيا متطورة مثل مقاتلات F-35.
وقد كشفت التطورات الميدانية في مارس 2026 عن هشاشة الحماية الجوية التركية، حيث تولت طائرات اعتراضية تابعة لحلف الناتو مهمة إسقاط صواريخ إيرانية اخترقت الأجواء التركية. واستهدفت تلك الصواريخ منشآت حيوية تشمل قاعدة إنجرليك الجوية ونظام رادار تابع للحلف، مما وضع أنقرة في موقف محرج بين التزاماتها الأطلسية ورغبتها في عدم استفزاز طهران.
وتؤكد مصادر تحليلية أن أنقرة رفضت بشكل قاطع تقديم أي دعم لوجستي للحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ومنعت استخدام مجالها الجوي لشن ضربات هجومية. هذا الموقف ينبع من رغبة تركيا في الحفاظ على علاقة 'التعايش التنافسي' مع جارتها الشرقية، وهي علاقة تمتد جذورها إلى اتفاقية قصر شيرين الموقعة في القرن السابع عشر.
وتخشى القيادة التركية أن يؤدي انهيار النظام في طهران إلى فوضى عارمة وتدفق ملايين اللاجئين عبر الحدود، مما قد يزعزع استقرار الاقتصاد التركي المنهك أصلاً. كما ترى أنقرة أن وجود دولة إيرانية مستقرة، حتى لو كانت خصماً، أفضل بكثير من سيناريو التفتت الذي قد يغذي النزعات الانفصالية الكردية في المنطقة.
وفيما يتعلق بالملف الكردي، تسببت الحرب في إيران بتهديد عملية السلام الهشة التي انطلقت في تركيا عام 2025، حيث تخشى أنقرة من استغلال القوى الخارجية للأكراد الإيرانيين. وأبدى مسؤولون أتراك قلقهم من توجهات إدارة ترامب لتسليح فصائل كردية، مما قد يعيد التوتر مع واشنطن إلى مستويات غير مسبوقة ويقوض جهود دمج الأكراد سياسياً.
💬 التعليقات (0)