أمد/ ليست كلّ الخيانات تُرتكب في الظلام… بعضها يحدث على مرأى الجميع، بأصواتٍ عالية، وشعاراتٍ برّاقة، ووجوهٍ تتقن تمثيل الطهر. هناك… حيث يختلط الدم بالكلمات، والوجع بالخُطب، والوطن بالشعارات، يظهر أولئك الذين لا يُعرَفون إلا حين تُكشف الحقيقة: يأكلون مع الذئب… ويبكون مع الراعي. من هؤلاء؟ ليس سؤالًا بريئًا يُطرح على عجل، بل صرخةٌ تتكسّر على جدران الواقع، تبحث عن وجوهٍ تلوّنت حتى لم يعد لها لون، وعن ضمائر تآكلت حتى لم يعد لها وزن. هؤلاء هم تجّار الوطن حين يُعرض الوطن في مزاد الخسّة، وهم مصّاصو دماء الناس حين يتحوّل وجع الفقراء إلى سلعة، وهم سارقو القوت حين يُختزل الخبز في صفقاتٍ خفية، وهم—للأسف—من يتقدّمون الصفوف وهم يهتفون: نحن الوطنية، ونحن المقاومة، ونحن الشرف والدين. يأكلون مع الذئب… نعم، يجلسون على موائد الافتراس، يباركون النهب، ويُجمّلون القبح، ويُلبسون الجريمة ثوب الضرورة، يتقاسمون الغنائم بصمتٍ بارد، كأن صراخ الأطفال لا يصل، وكأن دموع الأمهات مجرد تفاصيل لا تُرى. ثم… حين يعلو أنين الضحايا، ويشتدّ وجع المكلومين، يقفون على أطلال الألم، يبكون مع الراعي، يُتقنون البكاء كما أتقنوا الخيانة، ويرفعون أيديهم بالدعاء، وكأنها لم تمتدّ يومًا إلى ما ليس لهم. أيُّ زمنٍ هذا الذي يُصبح فيه القاتل واعظًا؟ وأيُّ زمنٍ هذا الذي يُحدّثنا فيه سارق القوت عن الكرامة؟ وأيُّ سقوطٍ أخلاقيٍّ يجعل من المتاجرين بدماء الناس حُرّاسًا على قيمٍ لم يعرفوها يومًا؟ هؤلاء لا يعيشون ازدواجية الموقف فقط، بل ازدواجية الوجود؛ وجوهٌ في العلن، ووجوهٌ في الخفاء، خطابٌ يُقال، وحقيقةٌ تُدار في الظلال. يتحدّثون عن الدين، لكنهم ينسون أن الدين ضمير، لا شعار. يتحدّثون عن المقاومة، لكنهم يغفلون أن المقاومة صدق، لا تجارة. يتحدّثون عن الشرف، لكنهم لا يرونه إلا كلمة تُقال، لا موقف يُعاش. هم ظاهرةٌ تنمو في العتمة، وتكبر كلما غابت المحاسبة، وتتغذّى على صمت الناس، وعلى خوفهم، وعلى تعبهم. لكن… مهما طال ليل الزيف، لا بدّ للفجر أن يُبصر الطريق. ومهما لبسوا من أقنعة، سيأتي يومٌ تُخلع فيه الوجوه، وتُكتب الحقيقة كما هي: بلا تزييف، بلا تبرير، بلا خوف. عندها فقط، سيُسأل كلّ من أكل مع الذئب: بأيّ وجهٍ جئت تبكي مع الراعي؟ وساعتها… لن تنفع خطبٌ ولا شعارات، ولا دموعٌ تُذرف بعد أن جفّ الضمير. ويبقى الوطن—رغم كل الجراح— أكبر من تجّاره، وأطهر من سارقيه، وأصدق من كلّ من باعه… ثم وقف يبكيه. ولأن الأوطان لا تُخدع طويلًا، فإن الذاكرة لا تنسى، والجراح—وإن صمتت—لا تسامح. سيُعرف كلّ واحدٍ منهم، ليس بما قال، بل بما فعل، ليس بما ادّعى، بل بما اقترف. وحين تُكشف الحسابات، لن يكون السؤال: من تكلّم؟ بل: من خان… ومن صمت… ومن شارك؟ وهناك فقط، يسقط البكاء، وتبقى الحقيقة وحدها… لا تقبل الشراكة.
رام الله: لجنة الانتخابات تعلن النتائج النهائية للانتخابات المحلية 2026
اليوم 59..أولا بأول في حرب إيران..هدنة غامضة بعد فشل عقد لقاء إسلام آباد
تصريح الناطقة باسم البيت الأبيض ليفيت قبيل محاولة اغتيال ترامب يثير الشبهات
ترامب اشترى سندات بقيمة 51 مليون دولار على الأقل في مارس
إندونيسيا تطالب الأمم المتحدة بالتحقيق في مقتل جندي في قوة اليونيفيل في لبنان
💬 التعليقات (0)