باستثناء انتخابات البلديات عام 1976، لم أتخلف يوما في حياتي عن ممارسة حقي ودوري في الانتخاب، سواء في اللجان المدرسية أومجالس طلبة الجامعات ونقابات العاملين فيها، بما فيها انتخاب ممثلي الأقلية العربية الفلسطينية في الجامعات التي درست فيها، لنيل شهادات ماجستير وشهادة الدكتوراه.
غداة حرب الخليج الثانية، وبعد انطلاق مفاوضات مدريد وواشنطن، وتوقيع إعلان مبادئ أوسلو عام 1993، كان لي شرف قيادة جهود التحضيرات لعقد أول انتخابات رئاسية وتشريعية، سواء بحكم موقعي نائبا لرئيس الطواقم الفنية والاستشارية في بيت الشرق، أو بعد إنشاء الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عام 1993، حيث شكلنا فريق مقره بيت الشرق للإعداد لها، بناء على اقتراح المرحوم فيصل الحسيني. ومن موقعي كرئيس للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أشرفت على جيش من الزميلات والزملاء أبناء الإحصاء الفلسطيني وفريق مساحين، لرسم خرائط مساحية للقرى والبلدات والمدن الفلسطينية عام 1994، وتحديد مواقع مراكز الاقتراع في كل منها، وإنشاء وتحديث وتنقيح سجل الانتخابات العامة في مقر الإحصاء الفلسطيني عام 1995، وهو الأول في تاريخ البلاد على المستوى الوطني، وانتهاء بعضوية لجنة الانتخابات المركزية، التي كانت برئاسة الرئيس الحالي أبو مازن، وأشرفتْ على عقد الانتخابات العامة عام 1996، واستمرت عضويتي فيها إلى حين وفاة الرئيس الشهيد أبو عمار.
منذ أكثر من نصف قرن، لم أتخلف يوما عن منح صوتي لمن يستحق، من وجهة نظري. والآن، نقف جميعا في رام الله وأخواتها من بلدات التزكية الانتخابية على الهامش، حيث هبطت علينا مجالس بلدية بالبرشوت على قاعدة ما يسمى منظومة "التوافق وصون المصالح الوطنية"، التي نُصِّبَت في الغرف المغلقة من أولياء الله في الأرض على ما يبدو، المُنصَّبون أولياء نعمتنا السياسة، ومنحوا أنفسهم الحق بمصادرة حقنا بالاقتراع لتحديد من نرى فيهم الأهلية والقدرة والأمانة لتمثيلنا في الهيئات المحلية.
مجالس أُكِنُّ لأفرادها الاحترام كله، ولكنها لا تشبهنا ولا تمثلنا. مجالس ناموسها وولاؤها ومرجعها وبرنامجها رضى من نصبوها، وليس من لهم الحق بانتخابهم. مجالس تأتمر بأمر الأولياء، وليس الصندوق، وعلاقتها مع المواطن قائمة على حسن الجوار، وليس لدى المواطن أي حق مقدس في نيل الخدمات، وما أسهل أن يقول لك المجلس البلدي المنصب عليك، لم تنتخبني ولست مرجعي. برنامجها رضى المعلمين، وليس مبادئ الحوكمة والشفافية والمحاسبة ممن انتخبوها. جل همها الظفر بالرضى وليس العطاء، وفاء لمن نصبوها من الأئمة.
أنا لن أنتخب هذا العام، ليس تقصيراً وإنما بالإكراه والاستخفاف بمبادئ الديمقراطية وقداسة إرادة "الشعب". لن أحتفل بمن كان من المفروض أنهم فازوا بثقتي وصوتي. وسأجد نفسي وغيري تائهين هائمين في أرض غريبة تحكمها الوصاية الربانية، بأداة لم تولد من رحم الشعب. لن نعرف وجوههم ولا نواياهم ولا جدارتهم، ولا برنامجهم، ولن نتمكن من محاسبتهم بناء على ذلك.
اليوم سأكتشف أن صوتي ليس أمانة، وأنني ممنوع من المساهمة في صنع الفرق في مجتمعي، وأن هذا البلد الجميل لا يساوي شيئاً في ظل منظومة هيمنة وإقصاء وفرض من قد لا يستحق على رقاب العباد.
💬 التعليقات (0)